The Martian.. فيلم فضاء تقليديّ، وقناع الإنسانية الأمريكيّة

featured

(مجد السليتي) #1

في كتابه “نقطة زرقاء باهتة: نظرة لمستقبل الإنسان في الفضاء” الذي يُعتبر أحد أشهر الكتب العلمية في القرن العشرين؛ يقول كارل ساجان (عالم الفضاء الأمريكي المعروف): “وبالنسبة لي، كان أكثر التذكارات سخريةً في تلك اللحظة من التاريخ، يتمثّل في تلك اللوحة التي وقّعها الرئيس ريتشارد نيكسون وأخذتها “أبوللو-11” معها إلى القمر، وقد كُتب عليها: “لقد أتينا في سلام من أجل البشرية”. ولما كانت الولايات المتحدة تقوم بإسقاط 7.5 ميجا طن من المتفجرات التقليدية على أمم صغيرة في جنوب شرق آسيا، فقد هنّأنا أنفسنا بإنسانيتنا! لن نؤذي أحداً على صخرة فاقدة للحياة! وما تزال اللوحة موجودة هناك، في ذلك المكان المقفر الخالي من الهواء في بحر الهدوء. وإذا لم يعترض أحد سبيل اللوحة، فسوف تظل صالحة للقراءة حتى مليون سنة من الآن”.

1

صورة من مركبة أبوللو-11 الأمريكية لدى وصولها سطح القمر

هكذا يوجّه ساجان -عالم الفضاء البحت- النّقد بتهكّم عنيف للنفاق السياسي الأمريكي. تلك السياسة التي لا تخجل وهي تسجّل مواقف متناقضة باستمرار وبلا أي تحفّظ. ولماذا تهتمّ ونحن في عصر تحكمه ماكينات الإعلام وغسيل العقول؟! ففي عصر كهذا، لم يعد من المهم أن تتّسق مع ذاتك أخلاقياً ولا منطقيّاً، كل ما يهمّ هو أن تمتلك القوّة لتفرض ما تريد وتشرعن ما تفعل، فهو عالَم لا يحكمه سوى العقيدة بصراع البقاء، أيّنا أقوى ليبقى ويكون!

أطلّ علينا قبل أيّام فيلم (The Martian) (بالعربية: المريخيّ)، وهو الفيلم الذي حاز شهرة واسعة قبل أن يظهر إلى العلن؛ بسبب قصّته التي تتناول رائد فضاء يُترك وحيدا على سطح كوكب المريخ، بعد عاصفة تجبر فريق البعثة التي كان جزءاً منها على إلغاء رحلتهم والعودة من حيث أتوا. لكنّ عملية الإخلاء والجَلاء لا تكون سلسةً، فتتسبّب جَلَبةٌ شديدة بخروج الفريق من الكوكب دونه (وهو البطل: مارك واتني، الذي يمثّل دوره النجم مات ديمون)، ويتركونه ظنّاً منهم أنّه قد مات، لكنه يبقى على قيد الحياة ويعيش عشرات الأيام وحيداً على سطح الكوكب، قبل أن يجد طريقة للتواصل مع رفاقه من بني البشر على الأرض؛ ليخبرهم أنّه ما زال حيّاً وينتظرهم لإنقاذه. وتزامن الحديث عن الفيلم مع إعلان ناسا (وكالة الفضاء الأمريكية) عن اكتشاف ماء سائل رسميّاً على سطح المرّيخ؛ مما أثار جدلاً واسعاً وأكسَب الفيلم أهمية واهتماماً إعلامياً وعامّاً من قبل الناس.

وما أودّ تناوله في هذه المقالة هو نقد بعض الأفكار الكامنة في هذا الفيلم، مع تعليقات بسيطة حول جوانب مختلفة منه سينمائيّاً من وجهة نظري الشخصية.

2

صورة للملصق الرسمي للفيلم

إنّ ممّا لا يخفى على أيّ متابع للأفلام الهوليوودية في الفترة الأخيرة، هو الاهتمام غير المسبوق والكثافة النسبيّة لعدد أفلام الفضاء المُنتَجة، فما سرّ هذا الاهتمام؟ ولماذا يحتلّ استكشاف الفضاء أهمية مركزية لدى دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الأوساط الفكرية والعلمية هناك؟ لا شكّ أن هنالك أسباب كثيرة ومتنوعة على مستويات عدّة لمسألة في هذا الحدّ من التعقيد. ولكن ما يهمّني بالتحديد أن أُشير بمختصر مفيد إلى الجانب الفكري المتعلق بفلسفة الغرب، وما أنتجَته الحداثة من شرعيّة القوّة والنّفَس الاستعماريّ لديهم (وهو الأمر الذي نلحظه لدى تصريح مارك واتني في الفيلم حين زرع البطاطا على أرض المريخ: “يقولون أنّك تستعمر أي أرض إذا زرعت عليها، إذا ها أنا فعليا قد استعمرتُ المرّيخ!”).

إنّ حب استكشاف الفضاء وأهمّيته في الفكر الغربي لا ينبع فقط من فكرة الإنسان الفضوليّ، وحب المعرفة البَحت الذي يدفع الإنسان لكي يعرف ويسبر أغوار الكون في سبيل خير البشريّة. ولا شكّ أنّ ما أقوله يناقض نوعاً ما الصورة التي يرسمها الفيلم للأمّة الأمريكية وللشفافية والإنسانية التي نراها من خلاله للمؤسسات الأمريكية، وطريقة تعاملها مع مشكلة تخلّف رائد الفضاء هناك. فأمريكا التي في الفيلم هي الدولة التي تضحّي بكل شيء من أجل أن تنقذ رائد فضائها وتعيده سالماً إلى وطنه، وهي التي تتعاون فيها المؤسسات كلها دون أدنى معارضة (ابتداءً من رئيسها حتى مجلس شيوخها ووكالة فضائها وشعبها)؛ من أجل الوقوف مع إنسان وقفت الأقدار ضدّه ووضعته في هذا الموقف الصّعب. لكنّ الفيلم لا يُرينا إلى أيّ مدى تتحكّم السياسة البراجماتية القذرة بهذه الإنسانية الرّومنسية، التي تدفع الغالي والرخيص في سبيل إنقاذ حياة إنسان، بل يسطّح الأمر ويختزله إلى أبعد الحدود. كما أنّه يغضّ الطرف عن الفظائع التي فعلها الإرهاب الأمريكي في عالم الأرض بعشرات الملايين من البشر، قبل أن يبهرونا بإنسانيتهم اللامحدودة تجاه بني جلدتهم هناك في الفضاء! ويتناسى الفشل الذي يعتري الحضارة الأمريكية والغربية ككلّ؛ نتيجة فشل الحداثة في جعل الإنسان يعيش حياة سعيدة ويشعر بالمعنى من وجوده أو وجود أي شيء؛ فيقول لنا عن الإنجازات اللامحدودة لهم في الفضاء والرغبة المتواصلة والمتزايدة للتقدّم أكثر، دون أن يخبرنا لماذا نريد هذا التقدم؟ وأيّ حياة جديرة وسعيدة تنتظرنا حين نستمر في اكتشاف الفضاء ومعرفة المزيد عنه دون الالتفات إلى مشاكلنا الكبرى على الأرض؟

ومن المُلاحظ أيضاً أن ثيمة العداء تجاه الدّين وأيّ (ما وراء) روحي باتت تلازم الكثير من الأفلام العلمية والفضائيّة، فها هو واتني يحرق الصليب الخشبيّ (حيث يدّعي أنّه لم يجد غيره ليحرقه)؛ لكي ينتج الماء ليعيش على أرض المريخ. في إشارة واضحة إلى أنّ صراع البقاء يتطلّب منّا أن نؤمن بالعلم الماديّ العملي، وننبذ الماورائيّات، ومثل هذه التلميحات لا تأتي مصادفةً في فيلم بهذا الحجم.

3

مارك واتني وهو يحرق الصليب الخشبي لإنتاج الماء

أما على الصعيد السينمائيّ البحت وبعيداً عن الأفكار المُضمّنة، فأستطيع القولَ دون تردّد أن الفيلم ضعيف إجمالاً، خاصّة من ناحية سير الأحداث والحبكة؛ فهو فيلم فضاء تقليدي جدّاً، وجميع نقاط التحوّل فيه من الممكن توقّعها بسهولة، ومساره ليس فيه أيّ نوع من الإبداع. وتستطيع أن تقدّر ذلك جيداً حين تقارنه مثلاً بأفلام فضاء أخرى معروفة مثل: (Interstellar) الّذي كان علامة استثنائية في لائحة أفلام الفضاء الأمريكية الحديثة (من ناحية الأسئلة والأفكار الفلسفية والعلمية التي يطرحها أو جودة الفيلم السينمائية)، فحتّى حلّ العقدة في الفيلم كان مطابقاً للحلّ المطروح في إحدى عُقد حبكة (Interstellar)، وهو استخدام جاذبية كوكب لدفع المركبة والوصول إلى الهدف المنشود. لكننا أيضاً يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الرواية التي بُني عليها الفيلم نُشِرَت منذ عام 2011، وبالتالي فمن الصعب القول بأنّ الفكرة كانت مجرد تأثّر ونقل حرفيّ من (Interstellar). رغم أنّنا نجد تأثّراً واضحاً في مواضع أخرى منها: اختيار الممثّلَين الرئيسيين وأدوارهما -وإن اختلفت شكلياً- مات ديمون وجيسيكا شاستاين.

ولعلّ الأمر الذي يجعل تقييم الفيلمين متقارب جداً على موقع ال (IMDB) (رغم الفارق الهائل في الجودة كما أسلفت)؛ هو حبّ الناس بشكل عام للأفلام الممتعة البسيطة الواضحة، وإن كانت خاوية من الأفكار العميقة أو الحبكة المميزة. وأزعم أن شخصية مارك واتني بجانبها الكوميدي كان لها أكبر الأثر في إعجاب عامّة الناس بالفيلم، كما لا يجب أن ننسى تزامن إطلاق الفيلم مع إعلان ناسا عن وجود ماء سائل على سطح المرّيخ؛ مما دفعه دفعةً ترويجيّة هائلة إلى الأمام.

4

مات ديمون وجيسيكا شاستاين في يوم عرض الفيلم لأول مرة

قد يقول البعض أنّ الفيلم تقليدي المسار؛ بسبب طابعه العمليّ الواقعيّ، واهتمامه بإظهار الفكرة الرئيسية، ألا وهي الصّراع من أجل البقاء باستخدام العلم التطبيقيّ. لكنّني أودّ التوضيح بأن ما أقصده من تقليدية المسار، هو غياب الإبداع والتسطيح، والاختزال حتى في نقل وتخيّل الواقع نفسه، والصراعات النفسية داخل أحداث الفيلم وشخصياته، وخصوصاً شخصية البطل. فنحن لم نرَ إلّا شخصية ذات بعد واحد، شخصية لم نندمج معها إلا بكوميديتها المضحكة، لكنّنا لم نعِش معها ونشعر بما عانته حقيقةً، حتى أنّ الفيلم لم يُفرِد من الوقت ما تستحقّه برأيي الأيام الأولى التي قضاها وحيداً على سطح المريخ، بل تعدّاها بسرعة وكأنّ الهدف هو فقط سرد الأحداث بغض النظر عن أي شيء آخر.

كما أنّ شخصيات الفيلم من ناحية أخرى، هي نمطيّة جداً، فصحيح أن تمثيل النجم مات ديمون (مارك واتني بالفيلم) كان مميّزاً، ولا يمكن إنكار أن الجانب الكوميدي من شخصيته كان ممتعاً ومحبوكاً بعناية، إلّا أنّه لم يخرج من عباءة نموذج البطل الأمريكي الخارق الذي يستطيع تحدّي الصّعاب ومجابهة المثبِّطات جميعها ليصل إلى مراده. وقُل كذلك عن باقي الشخصيات، حيث لا نجد شخصيةً مميّزة أو تستحق أن يُشار لها بالبَنان سواء كان ذلك على صعيد الشخصية نفسها أو من مثّلها.

ومن الملاحظ أن الفيلم افتقر إلى الشخصية الشرّيرة أو الغريمة (Antagonist characters)، إلا إذا اعتبرنا كوكب المريخ نفسه كذلك، وهذا تجلٍّ واضح للحداثة الغربية بنظرها للطبيعة باعتبارها خصماً، وحلّ مواجهتها والتغلب عليها أو الذوبان فيها تماماً كما يقول المسيري. كما أنّ من الغريب -ولا أقول بالضرورة من السلبيّ- غيابُ حبكة رومنسية ثانوية كما تعوّدنا في كافة أفلام هوليوود تقريباً، ونستطيع القول أن ثمّة غياب أيضاً للمشاهد العاطفية الإنسانية الكثيفة (أقصد تلك المتأسّسة على التفاعل الإنساني)، مما أضفى على الفيلم مزيداً من طابع الواقعية الجافّة.

لا أريد أن أكون سوداويّاً وسلبياً وأصوّر الفيلم بأنه مجرد فشل ذريع، فقد استمتعت شخصياً بمشاهدته، فكوميدية مارك واتني ممتعة جداً، ومشهد التقاطه من الفضاء من قبل فريقه كان عظيماً ويوازي مشهد الالتحام في (Interstellar). كما أنّ أفلام الفضاء تثير فضولنا الإنساني الأصيل وتوسّع أفق التفكير على إمكانات لم تخطر على بالنا من قبل، وتجعلنا أكثر وعياً وإحساساً بحيواتنا على الرغم من أنّها تصوّر لنا مدى صغرنا في هذا الكون. ومن الجدير بالذكر أن تصوير البيئة الطبيعية للفيلم تمّ في وادي رم في الأردن، وكان مميّزاً حقّاً، فهي المنطقة الأكثر شبهاً على وجه الأرض بكوكب المرّيخ. كما أنّ جميع الإشارات العلمية الموجودة في الفيلم تقريباً دقيقة وصحيحة.

5

وادي رم، الأردن

لكنه على الجهة الأخرى ليس فيلماً مميزاً بل ممتع وحسب، وأرى بأنّه أخذ أكثر من حجمه بكثير، ومن الواجب علينا أن نبقى منتبهين للنماذج والأفكار الكامنة التي تحاول مثل هذه الأفلام إيصالها وزرعها في لاوعينا، ووضع كل شيء في سياقه التاريخي والزّمكانيّ ليتسنّى لنا القيام بالحكم الموضوعي والمناسب لكل أمر.