“متشابهاً وغير متشابه”…إلى أيّ حدّ ممكن أن يصل التعقيد في الوراثة؟

featured

#1

لماذا أعشق علم الوراثة؟ لأنّه معقّد لدرجة الجمال! وما أجمل أن نفهم لغة الخلق الإلهية الّتي جعلها الله وسيلة لنمو المخلوقات وتطورها من خلال شيفرة رباعية صنعت هذا الكائن الّذي يُسمّى إنسان! إليكم مثالاً جميلاً على ذلك:

twins

هاتان الفتاتان في الصورة ليستا صديقتين…بل أختين…توأمين في الحقيقة!

من مدينة جلاوستِر (Gloucester) في بريطانيا، تعيش لوسي وماريا ذواتا الثمان عشرة سنة في أسرة لأبٍ أبيض وأم نصف جمايكية مع أخوين وأخت ثالثة، وهما في المرحلة الجامعية الآن.

لا يخفى عليكم الآن كمية الاندهاش التي قد تبدو على كلّ من يتعرف عليهما للمرة الأولى، لدرجة أنهما تحتاجان أحياناً لإبراز شهادات الميلاد لإثبات أن ادعاءهما ليس نكتة سمجة كما قد يظن البعض. وللشخص العادي هذا الاندهاش مبرر، لا نتكلم عن أخوين أحدهما أبيض الملامح والآخر داكن البشرة، نحن نتكلم عن توأمتين كانتا في نفس الرحم إحداهما حمراء الرأس شديدة البياض “ريدهيد” (redhead / ginger) هي لوسي، والأخرى ماريا ذات البشرة الداكنة والشعر المجعد والملامح الأفريقية!

وفقًا لتقرير نشرته الـ BBC، فإنّ نسبة حصول أمر كهذا في العائلات ثنائية العرقية تقدر بنسة 1 إلى 500. في بريطانيا تحديدًا، نظرًا لوجود عدد كبير من البريطانيين من أصول أفروكاريبية من المُستعبدين الأفارقة الّذين استُقدموا إلى منطقة الكاريبي في عصور الاستعمار، فإنّ كثيرًا من هؤلاء ينحدرون من خليط من العرق الإفريقيّ والعرق الأبيض نتج عن التزاوج بين المستعمرين الأوروبيين والمُستعبدين السود في تلك الفترة، مما يعني أنّهم على الرغم من ملامحهم الإفريقية إلّا أنهم يحملون الجينات القوقازية (البيضاء) في خلاياهم.

حتّى نحاول فهم التعليل الوراثيّ لهذه الظاهرة علينا أولًا أن نعي أن وراثة الصبغيات -سواء كانت لون الشعر أو الجلد أو العيون- من أكثر الأطوار البينيّة الشكليّة تعقيدًا في الإنسان من حيث التركيب الجينيّ، إذ إنّ عدد الجينات المسؤولة عن ذلك يصل للعشرات، وبعضها له إسهام مباشر أكثر من الأخرى، كجيني OCA2 و HERC2، لكنّ الأمر لا يقتصر عليهما، فوراثة الصبغيات ليست وراثة مندليّة بسيطة بل مركبة وصعبة التنبّؤ.

القاعدة العامة والمبسّطة في فهم الصبغيّات هي أنّ الصفة السائدة هي صفة الألوان الداكنة الناتجة عن عملية إنتاج وتخزين صبغة الميلانين بصورة طبيعية في الخلايا الصبغية، والصفة المتنحيّة هي صفة الألوان الفاتحة الناتجة عن إنتاج أو تخزين غير اعتيادي لصبغة الميلانين، كأن يكون التخزين قليلًا أو شِبه معدوم، أو أن تكون نسبة صبغة الفيوميلانين الفاتحة (pheomelanin) أعلى من صبغة الميلانين الحقيقيّ الداكنة (eumelanin)، ويبنتج عن هذه التركيبة طيف لا نهائيّ من الدرجات في لون الجلد والشعر والعيون.

في حالة لوسي وماريا، لنا أولًا أن نستنتج أنّ أمّهما تحمل جينات الملامح الإفريقيّة من أحد أبويها وجينات الملامح الأوروبيّة “الريدهيد” من الآخر، ولأنّ الملامح الداكنة تسود على الفاتحة فإنّ الأُمَّ تبدو عليها الملامح الآفروكاريبيّة، وكذلك الحال مع ابنتها ماريا الّتي حصلت منها على الجينات الإفريقيّة الّتي سادت بدورها على الجينات الأوروبية الّتي أخذتها من أبيها، في حين حصلت لوسي (واحتماليّة حدوث ذلك نادرة) على الجينات البيضاء فقط من كلا الوالدين. عليّ أن أذكّركم هنا أن التوأم ينتج إمّا من بويضة واحدة مخصّبة انقسمت بعد تخصيبها لتنتج جنينين لينموا بشكل منفصل ومتطابق إلى حدٍّ كبير، أو من بويضتين حصل وأن تمّت إباضتهما في نفس الدورة وتمّ إخصاب كلتيهما بحيث تكون التوليفة الجينية لكل جنين مختلفة عن الأخرى اختلاف الأخ عن أخيه. هذه الحالة واضحة أنّها توأم غير متطابق.

الإخوة الثلاثة الآخرون يُظهرون خليطا من الملامح، وهذا الأشهر. ماريا تظهر الملامح الأفروكاريبية للأسباب الّتي ذكرناها آنفًا. المثير للدهشة هنا هو أنّ لوسي “ريدهيد”، وصفة الـ”ريدهيد” نادرة بين البشر إذ تترواح نسبتها بين 1 إلى 2 بالمئة فقط في العالم يتواجد أغلبهم في غرب أوروبا (آيرلاند وسكوتلاند تحديدًا) بالإضافة إلى بلاد الشام وآسيا الصغرى بشكل أقل. وهذه الصفة لكي تظهر فإنّها تحتاج لأمرين: الأول هو أن تكون توليفة الجينات الموروثة تسمح بتعبير جيني لطور بيني “أبيض”، بمعنى أنّ التوليفة الجينيّة لا تحتوي على ألّيل (نسخة جينية) سائد لصفة اللون الداكن تمنع من ظهور صفة اللون الفاتح المتنحيّة، والثاني هو أن يرث الإنسان من كلا الأبوين جين “ريدهيد” (MCR1) المسؤول عن منع تخزين أيّ من حبيبات الملانين الحقيقي في مقابل إنتاج كميّات أكبر من حبيبات صبغة الفيوميلانين المسؤولة عامّة عن حُمرة الشعر وخضار العينين ووجود النّمش. هذا هو السبب في أن أغلب (وليس كلّ) حُمر الشعر بيض البشرة وعلى وجوههم نمش وعيونهم خضراء أو عسليّة أو رماديّة. وقد يكون البعض يظهرون كل تلك الصفات باستثناء الشعر الأحمر…كما قلت لكم، المسألة معقدة!

هناك أيضًا صفات غريبة أخرى تنتج من جين الـ”ريدهيد”، فعادة ما يكون تحمّل الـ”ريدهيد” للحرارة والضوء أقلّ من غيرهم، في حين أنّ قدرتهم على تحمّل أنواع أخرى من الألم (كالكهرباء على وجه الخصوص) أعلى من غيرهم. وهم أيضاً يحتاجون إلى كمّية مخدّر أكبر في العمليات الجراحيّة لكي يغيبوا عن الوعي أو يفقدوا الإحساس الموضعيّ مقارنة بالأشخاص العاديّين. يبدو أنني لا أحمل متغيرات من هذا الجين بالتحديد، ولكنّ عندي من المتغيرات في جينات أخرى متشابهة ما يكفي لتفسير معاناتي مع أطباء الأسنان!

لوسي، إذن، حصلت على هذه الصفة من أبيها أحمر الشعر ومن أمّها الّتي نستنتج أنّ أحد والديها كان أحمر الشعر أيضًا. الوراثة عالمٌ جميل! أليست كذلك؟