نقص التركيز و فرط الحركة (adhd)

featured

(عبدالله حمارشة) #1

في غرفته المغلقة يجلس وحيداً، تتناوب عليه العتمة و النور كما يتناوب عليه الليل و النهار. ومن نافذته الصغيرة ينظر صديقنا إلى العالم بكل ما فيه من عناوين كبرى يلحقها كمّ مهول من التفاصيل، هذه هي الحالة الرئيسية للإنسان الحديث. فقد أعطى الإنترنت لكل فرد متصل به كمّاً يكاد يكون معجزاً من المعلومات والمثيرات العصبيّة بأنواعها: المقروءة، والمصورة، والمتحركة، والمسموعة، بل والخليطة من هذه الأنواع جميعها. ومن هنا يأتي السؤال: هل هذه المدخلات تلقي بالإنسان إلى حالة عجز عن التركيز؟ أم أننا نعيش في زمن أصبح من الصعب فيه على من لا يمكنهم التركيز أن يخفوا ذاتهم عن غيرهم بأوقات مضاعفة يقضونها بالدراسة أو تقنيات لتنظيم الوقت؟

كان لقضاء ساعات طويلة أمام شاشة الحاسوب وللجلوس بين المقررات الدراسية في كلية الطب؛ دور لا مناص منه في أن أجد نفسي في حالة من التساؤل، فيما إذا كان لما يمر به دماغي من التقافز المستمر في الأفكار تفسير طبيّ وبيولوجي بحت ومن هنا جاءت أول لقاءاتي مع ما يسمى بمرض فرط الحركة ونقص التركيز أو ما يسمى بِ (Attention Deficit Hyperactivity Disorder – ADHD). وكما جرت العادة سوف نبدأ موضوعنا اليوم من البداية، وبدايتنا مع التعريف بهذا المرض. يمكن تعريف مرض “فرط الحركة ونقص التركيز”: بأنه حالة يعاني فيها الشخص من فقدان التركيز والسيطرة على القرارات اللحظية، والتّسرع والمباشَرة اللاشعورية بنشاطات معينة، وقد يرافقه النشاط الزائد وفرط بالحركة، وكل هذه الأعراض يجب آن تتواجد بدرجة تجعل من أداء المهام المدرسيّة أو الوظيفيّة أصعب من المعتاد.

ولتحقيق التشخيص المناسب؛ يجب أن تتوافر مجموعة من الشروط نختصرها في ما يأتي:

1- انعدام التركيز وما يترتب عليه من ارتكاب أخطاء بسيطة في أداء المهام المختلفة، بالإضافة الى السهو المستمر، وعدم القدرة على الحفاظ على استمرارية المحادثات مع الآخرين، والتأجيل والتكاسل عن أداء المهام التي تتطلَّب مجهوداً عقليّاً، والنِّسيان المستمر وفقدان الأدوات والأشياء الصغيرة.

2- فرط النشاط وما يترتب عليه من الحركة المستمرة، والمشي أثناء الكلام، والتَّحرك في الكرسي والمبالغة في اللعب أو التَّسلق أوالقفز، بالإضافة إلى حالات من الثرثرة.

3- الاندفاعيّة، سواء كان ذلك بالمقاطعة المستمرة في المحادثة، وعدم القدرة على انتظار الدّور وعدم التخطيط.

ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه الحالة شديدة الشّيوع؛ فوفقاً للإحصاءات فإنَّ نسبة المصابينَ من أطفال المدارس تصل الى 5%، ويعاني ما يقارب 50% من هؤلاء من نفس الأعراض حتى بعد البلوغ والوصول الى سنِّ الرشد.

كان أول وصف لمرض فرط الحركة في بداية القرن العشرين، ومع الزمن ازداد فهمنا لهذه الحالة ولكيفيّة تشخيصها. ولما كان يعتقد في يوم من الأيام أنها حالة مُقتصرة على الأطفال؛ فقد اتَّضح حديثاً أن هذا المرض من الممكن تشخيصه في مراحل عمرية متقدمة أيضاً.

أكاد أستطيع أنْ اسمع أسئلتك عزيزي القارئ، إذ أنَّ الشكَّ الذي قد تسلّل إلى ذهنك الآن؛ عن ما إذا كُنت تعاني من هذه الحالة أمر مُبرر وشائِع على نحو كبير في ظلِّ ظروف العصر. فقد وفَّر عصر المعلوماتيّة عدداً لا يحصى من المحفِّزات بأنواعها المختلفة؛ مما جعل عملية التركيز والانتباه أصعب بكثير مما كانت عليه في ما سبق الثورة الاتصالاتية و المعلوماتية، بالإضافة إلى حقيقة أخرى -بنفس الدرجة من الأهميَّة- ألا وهي الأهمية الشديدة للتركيز والانتباه في عدد كبير من الوظائف المعاصرة. فقد مرَّ زمن على مرضى فرط الحركة لم يكنْ هنالك أهميَّة كبيرة للأعراض التي يعانون منها بالنسبة لنوع الأعمال التي يقومون بها؛ خاصة تلك التي تتطلب نشاطاً جسدياً كبيراً لا يستهلك الكثير من حيز الدماغ. لكن اليوم وفي عصر الوظائف المكتبية فالأمر مختلف تماماً، فقد اتَّضح أن أسلوب الحياة الحديثة وما تُمليه علينا من استخدام مستمر، واعتماد مهول على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي قد وفَّر بيئة خصبة لظهور أعراض أو على الأقل بعض أعراض هذه الحالة لدى الكثيرين مما دفعهم في الكثير من الحالات إلى مكاتب الأطباء النفسيين.

وهنا يأتي السؤال: كيف لي أنْ أعرف إن كنت أعاني من مرض فرط الحركة؟ وما هو العلاج إنْ اتَّضح أنَّني أعاني منه؟

كما ذكرنا سابقاً فالتَّشخيص يتطلب مقابلة شخصية مع طبيب نفسيّ، وإجراء بعض الفحوص الكتابيّة المتمثلّة بمجموعة من أسئلة التقييم الذاتي؛ حتى تنطبق على الفرد شروط التشخيص التي ذكرناها سابقاً.

أما بالنسبة للعلاج فذلك يتم عن طريق مجموعة من الأساليب المختلفة التي يتضمنها: العلاج النفسيّ السلوكي، تنظيم الوقت، تشكيل خطط وتغيير العادات اليومية، وبالطبع فيمكن لبعض من الأدوية مثل: المحفّزات أو مضادات الاكتئاب أن تلعب دوراً في العلاج. و لكنَّ الخبر السّار أنّ الغالبية العظمى من المرضى يصلون إلى مراحل متقدمة من التحسن وبوقت قصير؛ بعد اتباع أحد هذه الأساليب أو اتباع خطّة تضمن أكثر من واحد منها.

وبعكس ما قد التصق بهذه الحالة من اتهامات جائرة بأنَّها مرتبطة بالكسل، أو بضعف العزيمة، أو حتى بالغباء، فقد اتَّضح مؤخراً أنْ لا علاقة بين فرط الحركة والنجاح بالحياة. ولعلّ بعض الذين يمتلكون هذه الصفة مثل: ديفيد نيلمان -وهو المؤسّس لأربعة شركات طيران كبرى- وإدوارد هالويل -وهو أستاذ في طب النفس وأخصائيّ بمرض فرط الحركة في جامعة هارفارد- وغيرهم يشهدون على ذلك خير شهادة.

عبدالله حمارشة

الوصلات الخارجية و المراجع:

(Kaplan USMLE Step 2 CK Psychiatry, Epidemiology, & Ethics Lecture Notes, (2014

Essential Med Notes 2014 “Toronto Notes”

http://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/adhd/basics/definition/con-20023647

https://www.youtube.com/watch?v=ygRFRNdOsgQ