نظريات التأثير الإعلامي

featured

(شيماء محمد) #1

هذا المقال نشر سابقا على المدونة الشخصية للمؤلفة، وتم تقديمه وإعادة نشره هنا كبحث للقاء “الإعلام والفكر والمجتمعات” الذي تم عقده بتاريخ 14/02/2015.

ان الحديث عن التأثير الاعلامي ونوع هذا التأثير يتطلب منا مسبقا التوقف عند تساؤلات عديدة منها:

ــ ما هو الاعلام تحديدا ؟؟

ــ ما هي وسائل الاعلام المؤدية لهذا التأثير ؟؟

ــ لماذا يحدث التأثير ؟؟

هذه التساؤلات وغيرها يثيرها طبيعة علم الاتصال واتساعه، وان هذا الاتساع اوجد خلطا في المصطلحات، حتى عند الدارسين المتخصصين في هذا المجال.

كما سيتضح لنا فيما بعد ان الاعلام كمصطلح هو نمط من انماط الاتصال وانه بهذه الطبيعة لا يغطي التأثير الذي نتوقع الحديث عنه.

وانما قلنا في العنوان التأثير الاعلامي مجازا لان ذلك هو المستعمل في التعبير عن هذه الحالة في الوسط.

الهدف من هذا البحث عرض نظريات التأثير وكيفية عملها وفلسفتها حتى يعي المشاهد لاي مضمون ما هو قصد المرسل منه وما نوع التأثير الذي يريده.

لكن لن نتمكن من ذلك ان كانت المصطلحات مختلطه علينا.

لذلك اولا سنضع المصطلحات في مكانها المناسب ونسمي المسميات باسمائها لتتضح لنا الفكرة.

………………………………………………………..

اولا: الاتصال

هو المصطلح الاكبر الذي يضم تحته كل المصطلحات الاخرى التي سنتكلم عنها.

الاتصال: عملية نقل وتبادل المعلومات والاراء والافكار والانطباعات، بطريقة مباشرة او غير مباشرة باستخدام وسائل اتصالية وبالاعتماد على الكلمات والرموز المكتوبة والمسموعة والمرئية بهدف الاعلام او الاعلان اوالدعاية او الاقناع او التأثير العقلي والعاطفي او الايحاء بافكار واتجاهات القائم بالاتصال.

فالاتصال بهذا المعنى هو نشاط انساني عام يبدأ مع الانسان منذ ولادته ولا يتوقف عنه الى ان يموت.

فالطفل عندما يبكي يوصل لامه معلومة انه جائع مثلا، وهذا اتصال.

والرجل عندما يقف مع صاحبه ويدور بينهما نقاش، وتبادل لوجهات النظر والاراء هذا ايضا يعد اتصال،وتتسع صور الاتصال لتشمل الميديا وكل ما يصلنا من مضامين بكل الوسائل.

ولنوضح هذا الامر نعرض مستويات الاتصال.

ثانيا: مستويات الاتصال

تنقسم هذه المستويات بحسب الحاسة او الموقف الاتصال.

واذا صنفنا الإتصال بحسب الحاسة نجدد اننا امام انواع عدة منها:

ـ الإتصال المقروء: ويشمل كل ما نقرا من معلومات سواء كانت في الكتب او المجلات او الصحف او حتى البرشورات الذي يحوي معلومات تسويقية.

ـ الاتصال المسموع: هو المعتمد على حاسة السمع ويشمل مكبرات الصوت وصفارات والرسائل المسموعة والمحاضرات الصوتية الى الراديو.

ـ الاتصال المرئي: هو المعتمد على حاسة البصر يشمل بذلك الصور والمنشورات اللوحات الفنية.

ـ الاتصال السمعي المرئي: وهو ما رافق فيه الصورة صوت مثل التلفزيون والسينما.

اما اذا صنفنا الاتصال بحسب الموقف الاتصالي فانه يشمل الانواع التالية:

ـ الاتصال الذاتي: وهو اتصال الانسان بنفسه، وما يدور فيها من خواطر، وهواجس وتخيلات، وهذا الاتصال لا يتوقف.

ـ الاتصال المواجهي: هو الاتصال الذي يتم وجها لوجه بين شخصين او اكثر من الافراد، ونحصل على التغذية الراجعة هنا من خلال لغة الجسد او الملاحظات المحكية والنقاش.

ـ الاتصال الوسيطي: ويمثل تفاعلا اتصاليا بين شخصين او اكثر، ويستعين بوسيلة مادية، على أن لاتكون وسيله جماهيرية مثل ( الهاتف الدوائر التلفزيونية المغلقة – البريد الإلكتروني) ويكون المستقبل فيه فردا او مجموعة دون أن يؤلف جمهورا بالمعنى الاصطلاحي.

ـ الاتصال الجماهيري: وهو ما يغطي جمهور صغير او كبير يشمل الخطابات والمحاضرات والمؤتمرات وجميع اشكال الميديا الموجهة للجماهير، في الاتصال الجماهيري نحصل على التغذية الراجعة بواسطة ما يسمى ( ابحاث الجماهير ) وهي دراسات احصائية تجرى على الجماهير لقياس ردة فعله على الرسالة بعد ارسالها، او لدراسة الجمهور نفسه قبل ارسال الرسالة لمعرفة ما يناسبه من الرسائل والأساليب.

ثالثا: عناصر الاتصال

عناصر الاتصال بتعددها وتعدد اشكالها وأساليبها تجمل في الاجابة عن خمسة أسئلة:

1 ـ من ؟؟ المرسل ( سواء كان فرد او هيئة او مؤسسة او منظمة او دولة )

2 ـ لمن ؟؟ المستقبل ( سواء كان فرد او اكثر او جمهور متجانس او غير متجانس )

3 – ماذا ؟؟ الرسالة ( مضمون ومحتوى الرسالة )

4 ـ كيف ؟؟ الوسيلة المستخدمة في ايصال الرسالة

( تلفاز، سينما، راديو، صحف، مجلات، كتب، ملصقات…الخ )

5 ـ لماذا ؟؟ التأثير ( الهدف او مجموعة الاهداف المقصودة من توجيه الرسالة )

فيما يتعلق بالنمط او القالب الذي تخرج فيه الرسالة الاعلامية فلدينا خمسة انماط.

رابعا: انماط الاتصال

الإعلام

ويعني الإبلاغ والإخبار وهو نشاط اتصالي، الهدف منه نقل المعلومات والأخبار إلى الاخر

الدعاية أو الدعوة

وهي ( نشاط اتصالي يستهدف حمل الآخرين على سلوك معين ما كانوا يتخذونه لولا تعرضهم لذلك النشاط، وهي تستميل الآخرين عقليا او عاطفيا لاتخاذ الموقف الذي تسعى إليه ).

العلاقات العامة

وهي (نشاط إداري يستعين بالاتصال بقصد بلورة انطباعات إيجابية عن الهيئة التي تتولى القيام به بين العاملين فيـها وبين المتعاملين او الذين يحتمل ان يتعاملوا مع الهيئة).

الإعلان

هو نمط اتصالي يستخدم لأغراض الترويج ويستهدف عادة خلق انطباعات ايجابية عن خدمة او سلعة معينة ويؤدي الاعلان وظائف عدة منها: الوظيفة التسويقية والوظيفة التعليمية والوظيفة الاقتصادية والوظيفة الاجتماعية والوظيفة الترفيهية.

الحرب النفسية : وهي أحد أنماط الاتصال ( يشيع في أوقات التنافس والصراع ويستهدف في الغالب إشعار الطرف الآخر بالضعف أو الخوف أو القلق ويعمد إلى إثارة عوامل نفسية وفكرية.

خامسا: اساليب التأثير

اذن الاتصال بهذا المفهوم وهذا التصنيف يؤثر بكل اشكالة.

فكل ما نتعرض له يؤثر فينا سواء كان كلمة من شخص مواجه لنا او صفحة من كتاب نقرؤها او مادة اعلانية او اعلامية نشاهدها.

التأثير لا يأتي عفوا ولا يأتي على شكل واحد او اسلوب واحد.

لذلك أجريت دراسات ترصد طرق التأثر وانماطه وتصنفها.

هنا سنعرض لاهمها، وهي كثيرة، واما زالت الدراسات مستمرة تخرج نظريات جدييدة وتنقض نظريات سابقة.

التأثير المباشر أو قصير المدى.

ترى هذه النظرية أن علاقة الفرد بمضمون الوسيلة الاعلامية هي علاقة تأثر مباشر وتلقائي.

فالإنسان الذي يتعرض لأية وسيلة إعلامية، سواء كانت جريدة او اذاعة او تلفزيون، يتأثر بمضمونها مباشرة وخلال فترة قصيره.

فمثلا: اذا ما شاهد الانسان في التلفزيون مشاهد قتل وعنف، فإنه بالضرورة، بناء على هذه النظرية، سوف يحاكيها ويحاول تطبيقها في واقع حياته.

سمي هذا المنحى في دراسة تاثير مضمون وسائل الاعلام بـ ( نظرية الحقنة ) او (نظرية الرصاصة) في بحوث اخرى.

وتجدر الاشارة الى ان الدراسات الاولى التي قامت عليها هذه النظرية استشهدت بالحادثة التي صارت في عام1939 م،حينما انتاب الهلع بعض سكان الولايات المتحدة عندما اعتقدوا ان هناك غزوا قادما من المريخ فتدافعوا بالالاف الى الشوارع , وكان السبب في ذلك انهم كانوا يستمعون الى تمثيلية في الاذاعة باسم (حرب الكواكب).

ولا شك أن هناك عوامل فنية واخرى نفسية ساهمت في صنع حالة الهلع التي تعرض لها سكان نيويورك اثر استماعهم لذلك البرنامج الاذاعي. فالمؤثرات الصوتية التي استخدمت في ظل حالة الاحباط التي سببها الكساد الاقتصادي الكبير الذي سبق الحرب العالمية الثانية، اضافة الى نذر الحرب التي بدات تدق طبولها اجهزة الدعاية النازية في برلين.

كل تلك العوامل ساهمت في خلق حالة نفسية من التوجس والترقب، ومن ثم قابلية التاثر بعمل مثل هذا.

ان الاعتماد على (نظرية الحقنة) في تفسير علاقة الانسان بوسائل الاعلام فيه الكثير من التبسيط للطبيعة الانسانية والكيفية التي تعمل من خلالها النفس البشرية.

إن القول بالتاثيرالمباشر الآني لوسائل الاعلام على الجمهور لم يلق ذلك القبول لدى قطاع عريض من المهتمين في حقل الاتصال الجماهيري لان الانسان ليس كائنا سلبيا يتأثر بكل ما يصادفه بمعزل عن تركبته النفسية وبيئته الاجتماعية وخبراته السابقة.

ان مغالاة انصار (نظرية الحقنة) في قدرة وسائل الاعلام على التأثير على الجمهور لا يدفعنا الى نفي وجود ذلك التأثير متى ما توافرت عوامل ومتغيرات اخرى لها علاقة بألانسان نفسه بالوسيلة الاعلامية ومضمونها.

التأثير على المدى الطويل، او التراكمي.

يرى هذا الاتجاه في تفسير علاقة وسائل الاعلام بالجمهور، إن تأثير ما تعرضه وسائل الاعلام على الناس يحتاج الى فترة طويلة حتى تظهرأثاره من خلال عملية تراكمية ممتدة زمنيا، تقوم على تغيير المواقف والمعتقدات، والقناعات، وليس على التغيير المباشر والاني لسلوك الافراد.

إن الانسان يحتاج الى زمن طويل حتى يغير نمط تفكيرة واسلوب حياتة وطريقة تعامله مع الاشياء الموجود في البيئة المحيطه به. هذا التحول في تفكير الفرد واسلوب حياته وطريقة تعامله مع بيئته ينعكس على ممارسته في حياته اليومية، وهو ما نسميه السلوك.

كما ان التحول الذي يحدث للانسان لا يتحقق الا من خلال تعرضه لمصادر معلومات غير التي نشأ وهو يستقي منها اسلوبه في الحياة وطريقته في التفكير، وهو ماتحققه وسائل الاعلام كمصدر معلومات جديد يختلف في مضمونة بدرجات متفاوته عما هو سائد سواء كان ذلك(المصدر السائد)، البيت او المدرسة اوغيرهما من مؤسسات المجتمع التقليدية التي تسهم في عملية التنشئه الاجتماعية لافراد المجتمع.وهذا ايضا هو جوهر فكرة نظرية التأثير طويل المدى او التراكمي لوسائل الاعلام.

ان استمرار تعرض الانسان عبر وسائل الاعلام الى افكار جديدة وقيم مختلفه واسلوب في الحياة غيرالذي اعتاده، يؤدي الى تبني بعض تلك الافكار او القيم، ويغير في اسلوب حياته متاثرا بما يعرض عليه، وبدرجة تختلف من فرد الى اخر حسب تركيبة شخصيته، وحالته النفسية، والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها ونوع الوسيلة الاعلامية التي يتعرض لها ومضمونها، والسياسة التي تسيرها.

نظرية التطعيم او التلقيح.

اشتق اسم هذه النظرية وفكرتها من الفكرة نفسها التي يقوم على اساسها التطعيم ضد الامراض.


حيث تحصين الانسان ضد الامراض يتم من خــلال حقنه بـمصل يحتوي على جرثومة ضعيفة للمرض المراد تحصين الفرد ضدة، ومن ثم يقوم (نظام المناعة) في جسم الانسان باحتواء تـلـك الجرثومة الضعيفة والقضاء عليـــها وخلق حالة من الحصانة ضدها.
لذلك عندما يتعرض الانسان لجرثومة ذلك المرض الذي تم تلقيحه ضده يكون تأثيره عليه محدودا.

إن نظرية التطعيم هي من وجه اخر شبيهة بمفهوم التأثر على المدى الطويل، لان التعرض المتواصل لبعض ما تبثه وسائل الاعلام يولد نوعا من التبلد وعدم الإحساس او ما سميناه (الحصانة) في حالة التطعيم ضدالمرض، كذلك فان الجرعات المتتالية من المفاهيم والقيم التي نتلقاها من وسائل الاعلام تشبه الامصال التي نحقن بها لكي تقل، ان لم تنعدم، قدرة الجراثيم على التأثير في اجسامنا.

فأستمرار تعرضنا لمشاهدة العنف والجريمة والجنس، مثلا يخلق لدينا حالة من اللامبالاة تجاهها وعدم النفور منها.


الحالة السلبية هذه تجعل الأشياء السيئة في الوسائل الإعلام جاءت نتيجة (الحقن) المنظم لعقولنا بهذه (الأمصال الإعلامية) مما ولد حالة من البلادة تجاهها أشبه بالحصانة التي يصنعها المصل حينما نلقح به ضد الأمراض.

إن المفارقة الجميلة في نظرية التطعيم أو التلقيح هي أن (التطعيم الطبي) يحصننا ضد الأمراض بمشيئة الله .


أما (التطعيم الإعلامي) فانه يصنع في نفوسنا اللامبالاة وتبلد الأحاسيس ضد كثير من المنكرات والمشاهد المنحرفة التي تعرضها وسائل الاعلام , حتى يغدو الأمر كما قال علية الصلاة والسلام ما معناه:( يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً )). فمشاهد التبرج و الاختلاط التي تحرض على الجنس وتدعو اليه تصبح أمراً عادياً يجلس أمامها الطفل والكبير، المراهقة والراشدة، الرجل والمرأة، وان كانت في صحافة فيستهلكها البيت كله.

أما الانكار على هذه الظاهرة والتحذير منها فيصبح أمراً غريباً مستهجناً يوصف فاعله با لتشدد وضيق الأفق.

نظرية التأثير على مرحلتين.

التسمية الاصلية لهذه النظرية هي انتقال المعلومات على مرحلتين كما تدل على ذلك العبارة الانجليزية.

ترى هذه النظرية ان تأثير وسائل الاعلام في الجمهور يتم بشكل غير مباشر ويمر بمرحلتين وانتقال المعلومات كما ورد في الصياغة الاصلية للنظرية هو اسلوب اخر للحديث عن تأثير وسائل الاعلام في الناس، او تأثرهم بها، لا فرق لان التأثير اوالتأثر انما يحدث ابتداء من خلال تعرض الناس(للمعلومات) التي تبثها تلك الوسائل.
المعلومات هنا ليست شيئا محددا، بل يدخل تحت هذا المسمى كل ماتعرضه وسائل الاعلام من برامج ترفيهيه او ثقافية او حتى مواد اعلانية.

المرحلة الاولى لانتقال (المعلومات ) كما يراها واضعوا النظرية هي ما تبثه او تنشره وسائل الاعلام للجمهور.
ان الذي نتلقفه مباشرة من وسائل الاعلام، حسب رأي القائلين بهذه النظرية، قد لا يوثر فينا كثيرا بل قد لا نعيره ادنى اهتمام.
عند بث وسائل الاعلام لرسائلها، وتلقينا لتلك الرسائل (المعلومات) تنتهي المرحلة الاولى.

المرحلة الثانية يبدؤها من يسميهم علماء الاتصال بقادة الرأي في المجتمع قادة الرأي هم كل الاشخاص البارزين داخل التجمعات الصغيرة في المجتمع، كجماعات الاصدقاء والزملاء والاقارب والمهنة.
قادة الرأي هؤلاء هم بعض اصدقائنا او اصحابنا او ذوي الرأي فينا.

الذي يحدث في المرحلة الثانية من عملية التاثير او ( انتقال المعلومات ) هو ان أصحابنا هؤلاء قد شاهدوا نفس الذي شاهدناه او قرأوا نفس الذي قراناه فبدأوا بالحديث عنه بطريقة تنبهنا الى اشياء لم نفطن اليها، وباسلوب اكثر اقناعا من الطريقة التي عرضتها بها وسائل الاعلام.

ان قائد الرأي الذي يكون أحد والدينا أو أحد أصدقائنا، له من النفوذ المادي أو المعنوي او كليهما علينا، ما يجعلنا نقبل تفسيره ورؤيته الخاصة للرسالة الإعلامية، مما قد يؤدي الى تأثرنا بكل أو بجزء من مضمون تلك الرسالة.
لو ضربنا مثالاً على كيف تعمل هذه النظرية، او كيف يحدث التأثير على أساسها فلو ان بعض المراهقين او المراهقات شاهدوا برنامجا معينا تتضمن مشاهدة عرضا لقيم معينة أو أفكارا محددة , ثم كان من الغد بدأوا يحدثون به زملاءهم الذين رأوه والذين لم يروه.
هنا يبرز دور قائد الرأي حينما يبدأ بتحليل الرسالة الإعلامية ( البرنامج )، وبقية أعضاء المجموعة تهز رؤوسها مؤمنة على ما يقول.

وحيث أن الأفكار التي قد ترد في الرسائل الاعلامية التي تبثها وسائل الاعلام غير صريحة وغير مباشرة في مدلولاتها فان أي أنسان يمكن أن يفسرها – غالبا – بالطريقة التي يراها، او بشكل أدق على أساس من تكوينه الثقافي وتنشئته الاجتماعية. فمثلاً: التمرد على القيم والاعراف، قد يفسره قائد الرأي على انه نوع من الحرية الشخصية وتحقيق الذات.
مشاهد الاثارة الجنسية يمكن ان يعبر عنها بالمواقف العاطفية. ان قائد الرأي ليس فقط لاعب بارع بالألفاظ و المصطلحات يلويها كما يشاء، بل انه يمارس دور المنبه الانتقائي لبقية افراد المجموعة.
هو الذي يذكرهم مثلا بعبارات تلك الممثلة حينما قالت انها: (( لن تسمح لاحد بان يتدخل في تحديد مستقبلها )).
كما ان قائدة الرأي هي التي قد تلفت أنظار زميلاتها الى الطريقة التي ردت فيها (بطلة ) الفيلم على الهاتف بشكل استثار ( البطل ).
ان دور الجماعة، وقدرة القائد في ( الجماعة )، أي جماعة، على التأثير ودور الأصدقاء والقرناء، واثر المجتمع ككل على الأفراد على ضوء ( نظرية التأثير على مرحلتين ) يجعلنا نحسب اكثر من حساب ليس فقط لوسائل الإعلام وما تبثه من معلومات، بل لقادة الرأي والأصدقاء.

أننا قد نستطيع حجب أبنائنا عن التعرض لبعض الرسائل الإعلامية، لكننا سنجد انهم من خلال القرناء ومجموعات الزملاء والأصدقاء اكتسبوا تفسيرات لمضامين تلك الرسائل ابلغ آثرا واشد تأثيرا من الكيفية التي عرضت فيها بوسائل الإعلام.
ان الطفل قد يشده إعلان تلفزيوني عن الحلوى، لكن الطفل نفسه سيشتاق اكثر لتلك الحلوى اذا ما سمع زميل له يسهب في الحديث عن تفاصيل ذلك الاعلان: كيف ان لونها كان كذا وكيف انها كانت بذلك الشكل وكيف ان الممثل في الإعلان قال ان طعمها مثل العسل…. وهكذا.

طبيعة العملية التي يتم من خلالها التأثر بوسائل الإعلام عبر انتقال المعلومات على مرحلتين هي مصدر أهمية النظرية.

ان النتيجة التي قد يخرجها بها القارئ ان عملية التاثر بوسائل الإعلام مسالة حتمية لا مناص منها سواء تعرض الفرد لوسائل الإعلام او لم يفعل.
هذه النتيجة غير قطعية وغير منطقية لانها تنظر الى الفرد بالرؤية نفسها التي تقول بها ( نظرية الحقنة )، حيث الانسان كائن سلبي يمتص كالاسفنجة ما يقابله.
ان تاثير وسائل الاعلام على الافراد حقيقية لا يمارى فيها، واثر الرفقاء والأصدقاء علينا في مؤسسة المجتمع الكبيرة واقع لا تكاد العين تخطئه. لكن الامر الذي لا يختلف فيه اثنان ان الإنسان قادر على ان يصنع لنفسه حصانة ذاتية وفق منظومة قيم ومعايير يحكم على أساسها على ما يصلح وما لا يصلح. ان الانسان كما قلنا، ليس كائنا سلبيا يتقبل بتلقائية ساذجة كل ما يواجهه.
وهو ما دام كذلك فانه يستطيع ان يختار لنفسه ولأطفاله ما يلح من الرسائل الإعلامية وما هو صالح من الرفقة والأصحاب. ان علية فقط ان يجعل لنفسه مرجعية قيمية وأخلاقية يحتكم اليها حتى لا يضل في ( نسبية ) متاهات الهوى والشهوات فيختل الميزان عنده، ويصبح بلا قيمة معيارية يفرق من خلالها بين الحق والباطل.

نظرية تحديد الأولويات

استعير اسم هذه النظرية من فكرة ( جدول الأعمال ) الذي يبحث في اللقاءات والاجتماعات، والذي يطلق عليه باللهجة الدارجة اجندة .
وفكرة النظرية تقوم على انه مثلما يحدد جدول الأعمال في أي لقاء ترتيب المواضيع التي سوف تناقش بناء على أهميتها، تقوم وسائل الإعلام بالوظيفة نفسها، أي لها جدول أعمالها الخاص او ( اجندتها ) التي تحدد الاهم والاقل اهمية من المواضيع.

جدول أعمال وسائل الإعلام هذا، هو ما تبثه من برامج وما تعرضه من مواضيع حتى ليبدو للجمهور ان هذه البرامج والمواضيع أهم من غيرها واولى بالاهتمام.
فحينما تنشر وسائل الإعلام رسائل إعلامية معينة، فإنها توحي للمشاهد او للقارئ انه لاشيء يستحق الاهتمام في هذه الدنيا اكثر مما يقرا ويرى.
كما ان الحيز الذي تعطيه وسائل الإعلام في ( جدول أعمالها ) لموضوع معين دليل على ( أهمية ) ذلك الموضوع.

فمثلا تركيز وسائل الإعلام على الرياضة يجعل بعض افراد الجمهور يشعر بأنه لا يحدث في العالم من حوله سوى مباريات الكرة، وانه لا شيء يستحق الاهتمام سواها.

ان فلسفة نظرية ( تحديد الأولويات) تلتقي مع القول المشهور لاحد علماء الاتصال وهو: ( انه مهم جدا لدرجة انه حاضر دائما في وسائل الإعلام، والآخر تافه للحد الذي لا يرى الا نادرا في وسائل الإعلام ) .
وتفسير هذه المقولة رغم وضوحها ان تركيز وسائل الاعلام على موضوع معين او شخص معين واعطاءه حيزا كبيرا يعني للجمهور ان هذا الموضوع او الشخص له من الاهمية ما تجعله حاضرا باستمرار او بكثرة في وسائل الاعلام. كما ان المواضيع والاشخاص الذين ليس لهم الحضور في تلك الوسائل ليس لهم اهمية لدى عامة الناس.

ولو اردنا ان نضرب مثالا لقلنا ان الجامعات تضم مئات العلماء والمفكرين ولكن لأن ( جدول أعمال ) وسائل الاعلام لا يدخلهم في دائرة اهتماماته فانه يعيشون في الظل لا يعرف الناس عن ابداعاتهم وعطاءاتهم للامة شيئا.
وبالمقابل فان لاعب الكرة او المغني يتردد اسمه على كل لسان وتملأ صوره كل الصفحات.

إن ابراز وسائل الإعلام لقضايا محددة وأشخاص معينين لا يؤدي فقط إلى تضخيم تلك القضايا وأولئك الافراد على حساب قضايا وأفراد أهم، بل له آثاره البعيدة على الوعي المجتمعي العام بقضايا الآمة الحساسة، كما انه يساهم في صنع نماذج وقدوات من الناس الهامشيين كالمطربين ومن هم على شاكلتهم ويقدمهم للأجيال الشابة على انهم ( الابطال ) و ( النجوم ).ان تاثير وسائل الاعلام على الناس من خلال نظرية ترتيب الأولويات او ( وضع الاجندة ) كما هي الترجمة الحرفية لها، يتم من خلال اختصار الحصيلة المعرفية للجمهور على مسائل محددة لا تعدو في الغالب البرامج الرياضية والترفيهية والمواضيع العاطفية.
كما انها تقدم للجمهور قدوات مزيفة من عناصر المجتمع الهامشية وغير المنتجة. أن إدمان الجمهور على استهلاك المواد الإعلامية التي تقدمها له وسائل الإعلام على أساس جدول أعمالها او( اجندتها ) يؤدي الى تشكله وتاثره بما تشتمل عليه تلك المواد من قيم، وانماط حياة، وسلوك، وهذا وجه اخر للتاثير التراكمي لوسائل الاعلام.

نظرية حارس البوابة

أتت فكرة هذه النظرية من عمل الحارس الذي يقف على البوابة فيدخل من يشاء ويمنع من يشاء.
وفي الغالب تتحكم الاعتبارات الشخصية في قرار هذا الحارس ادخال من يريد ورد من لا يريد.

والنظرية من حيث استخدامها في الحديث عن التاثير وسائل الإعلام تنطلق من ان الاشخاص العاملين في وسائل الإعلام يتحكمون فيما يصل الى الناس من مواد اعلامية.
ان هذا التحكم في تدفق المواد الاعلامية للجمهور يقوم به رجل الاعلام كحارس يقف على ( بوابة الجماهير ) ويسمح بتمرير مواد إعلامية معينة لهم.

ان رجل الإعلام او ( حارس البوابة ) من خلال هذا الدور يحدد للجمهور ما يجب ان يقراه او يشاهده.

ولان وظيفة ذات طبيعة مزدوجة، فحارس البوابة ( يحرم ) الجمهور في الوقت نفسه من قراءة او مشاهدة شئ اخر حينما اختار ان ينشر لهم شيئا بعينه استحسنه هو. فرئيس التحرير في جريدة ما.
مثلا هو الذي يقرر نشر خبر عن مسابقة ( ملكات الجمال ) في اسطنبول ويحجب خبرا عن انتشار ظاهرة الحجاب في تركيا.

في التلفزيون مدير المحطة او رئيس الفترة هو صاحب القرار في عرض مسلسلة هابطة او برنامج علمي بدلا منها.

ايضا المذيع هو الذي يستطيع ان يقول للجمهور نقلا عن وكالات الانباء الأجنبية، ان ما يحدث في كشمير هو صراع بين الحكومة الهندية و( الانفصاليين ) الكشميريين، كما ان المذيع نفسه يستطيع ان يعيد صياغة الخبر ليكون ( جهاد المسلمين الكشميريين ضد قوات الاحتلال الهندية )، او ( قتال الكشميريين من اجل الاستقلال وتقرير المصير).

* ان دور حارس البوابة ( الاعلامي ) مؤثر في الجمهورمن ناحيتين:

أولاً: من خلال ما يعرضه عليهم بناء على اعتبارات شخصية بحتة كما قلنا. قد تكون تلك الاعتبارات الشخصية سياسية إعلامية مقصودة يراد من خلالها احداث تغيير ثقافي او اجتماعي بالجمهور المستهدف، وقد تكون تلك الاعتبارات وجهة نظر أملتها تنشئة ثقافية واجتماعية معينة لحارس البوابة، اياً كان موقعه في وسيلة الاعلام المعنية. ومهما كانت تلك الاعتبارات فانها بالتاكيد لا علاقة لها بمصلحة الجمهور من قريب او بعيد.

ثانياً: لتاثير حارس البوابة ( الإعلامي ) في الجمهور هي من خلال ما يحجبه عنهم. فاذا كان قد سمح بمرور رسائل إعلامية معينة فانه بالتاكيد قد منع عنهم اخرى قد يكونون بحاجة اليها اكثر من تلك التي عرضها عليهم، بل ربما ان التي منع عنهم هي
التي تناسبهم وهي التي يحتاجونها.



وفي هذا المقام قول مشهور لاحد علماء الاتصال وهو: ( الاكثر اهمية ليس الذي تم عرضه على الجمهور، بل ذلك الذي لم يتم عرضه ) .




والامثلة فيما يخص هذه النظرية كثيرة جدا ضمن صراع الحضارات والازدواجية في الاحكام والانطباعات.
والمتابع لنموذج من الاخبار الاخيرة يلاحظ بجلاء ما نقول،
فالمفارقة بين تضخيم حادثة شارلي ايبدو في مقابل اللامبلاة التي لاقتها حادثة تشابيل هيل، علما ان الحادثتين ضمن مفهوم الارهاب.

وهذا ملاحظ سابقا من خلال تنظيم تدفق الحقائق واستخدام الفاظ معينة بهدف حصر تهمة الارهاب بجهة معينة او شعب معين.

وفي هذا إشارة الى ان وسائل الإعلام قد تلجأ أحيانا الى حجب الحقيقة او الرسائل الإعلامية التي يحتاجها المجتمع لدعم ثوابته الثقافية وحماية بنيانه الاجتماعي ودفع عملية التنمية فيه بخطى متوازنة منسجمة مع تلك الثوابت وذلك البنيان.

نظرية الاستخدامات والإشباع

بعكس النظريات السابقة تحاول هذه النظرية ان تنظر الى العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور بشكل مختلف.

بناء على هذه النظرية ليست وسائل الإعلام هي التي تحدد للجمهور نوع الرسائل الإعلامية التي يتلقاها، بل ان استخدام الجمهور لتلك الوسائل لإشباع رغباته يتحكم بدرجة كبيرة في مضمون الرسائل الإعلامية التي تعرضها وسائل الإعلام. لذلك ترى نظرية الاستخدامات والإشباع ان الجمهور يستخدم المواد الإعلامية لإشباع رغبات معينة لديه، قد تكون الحصول على معلومات او الترفيه او التفاعل الاجتماعي، او حتى تحديد الهوية.

وعلى سبيل المثال: الشخص الميال للعنف والمغامرات يستخدم التلفزيون لاشباع هذا الميل من خلال مشاهدة افلام العنف والمطاردات. المراة التي لديها نزعة تحرر وتمرد على القيم تجد ذاتها وراحتها النفسية في ذلك النوع من البرامج الذي يتبنى مثل هذا التوجه، وهذا مما يشعرها انها ليست وحدها في ممارسة هذا السلوك مما يدعم التوجه لديها اكثر فاكثر.


ان نظرية الاستخدامات والإشباع تفترض ان دور وسائل الإعلام ل