ميكانيكا الكمّ 101: ج2 – المادّة المعتمة والطاقة المعتمة

featured

#1

تكلّمنا عن وجود جسيمات دون ذرّيّة تُشكّل اللّبنات الأساسيّة لإنتاج القوى الطبيعيّة الّتي تضبط الكون في معرض حديثنا في الجزء الأول عن هذه القُوى، لكن علينا قبل أن نكمل الحديث عنها أن نتكلّم عن الوسط الّذي تتم فيه هذه التفاعلات غير المرئية حتى بأكثر المجاهر تطوّراً، فكيف سيتمّ انتقال الطاقة وانتشارها إن لم يكن هناك وسط لذلك؟

في عالمنا المرئيّ نتكلم عن أوساط لانتقال الطاقة فيها كالهواء والسوائل والمواد الصلبة، لكنّنا نتكلم هنا عن تفاعلات داخل أنوية الذرّات الّتي تكوّن هذه الموادّ! تظهر هذه المعضلة أيضاً إذا انتقلنا إلى مستوى الكونيّات: المجرّات والنّجوم والثقوب السوداء (وإن كانت الأخيرة تشكّل معضلة منفصلة أكثر تعقيداً) إذ لا يمكن لهذه الأوساط المحسوسة أن تتحمل قوّة الجذب وقوى الاندماج الهائلة الموجودة في النجوم وبين المجرّات. ولأنّ فيزياء الكمّ نظريّةٌ بطبيعتها، ولأنّ هذه الطبيعة النظريّة تعتمد على مهارات رياضيّة (من رياضيات) غير اعتياديّة ومخيّلة غير محدودة، ولأنّ هذا ما أفلح فيه الفيزيائيّون الكمّيّون، تراهم يبنون فرضيات معتمدة على ثوابت رياضيّة ومصطلحات تخيّليّة، ثمّ ينطلقون منها إلى محاولة تعريف هذه الثوابت الرياضيّة وإيجاد أدلّة مادّية (أو إشارات على الأقلّ) تُثبت حقيقة هذه المُصطلحات التخيّليّة. وقد نجحوا بالفعل منذ اشتعال ثورة الكمّ في ثلاثينات وأربعينات القرن المنصرم وحتّى الآن في هذه الاستراتيجيّة الّتي حقّقت تقدماً لم يكن لآينشتاين نفسه أن يُصدّقها. لذلك، علينا أن نضع في أذهاننا أنّ المصطلحات الّتي سيتمّ ذكرها هي مصطلحات تخيّلية ضروريّة، تمّ اكتشاف أدلّة على بعضها ولا يزال البحث عن البعض الآخر قائماً.

احتاج الفيزيائيّون النظريّون إلى مادة تخيّليّة لا تخضع للبنية الكلاسيكيّة المكوّنة من ذرّات وجزيئات، وسمّوها المادّة المُعتمة (Dark Matter) لأنّها ببساطة غير مرئيّة. بخلاف المادة العاديّة الّتي نعرفها، المادّة المعتمة لا تتفاعل مع القوّة الكهرومغناطيسيّة، فلا تمتصّ الضوء -مثلاً- أو تعكسّه أو تصدره بطبيعة الحال، وبالتالي فإنّ تعقّبها يكاد يكون مستحيلاً (وإن كانت آخر التقارير تشير إلى احتمالية كون إشارات لأشعّة سينيّة تمّ التقاطها من مجرّات مجاورة انعكاساتٍ للمادة المعتمة). الشيء الوحيد الّذي استطاع العلماء أن يستدلّوا على المادّة المعتمة من خلاله هو أثر الجذب الّذي تفرضه على مادّة الكون المحسوسة، وعلى ما يبدوا للعلماء فإنّ هذه المادة المعتمة يتجاوز وزنها وزن المادة الكونيّة المحسوسة بحوالي ستّة إلى واحد، وهي تشكل ما نسبته 26% من مجموع المادّة الكلّية في الكون (لا داعي أن نعرف كيف حصلوا على هذه القيمة) لكن علينا أن نعرف أن الحيّز الّذي تشغله هذه المادة المعتمة هو الحيّز الموجود بين الجسيمات الذّرّية وبين الذرّات نفسها، أي بتعبير آخر: هذا الحيّز هو الفراغ المُطلق بين ثنايا المّادة المحسوسة! ولنا أنّ نعرف أن المادّة المكوّنة لكلّ المجرّات والنجوم وتوابعها في هذا الكون الفسيح من ذرّات وجُزَيئات لا تشكّل إلّا ما يُقدّر بنسبة 4%! يظلّ لدينا ~ 70% ليكتمل المشهد.

النموذج الحالي المطروح للمادّة المعتمة يصفُها بأنّها عبارة عن جُسيمات فائقة التناظر تتفاعل مع جسيمات المادّة المحسوسة وقواها الطبيعيّة الأربعة آنفة الذكر -والّتي سيتمّ ذكرها لاحقاً أيضاً-، ولا ينتظر العلماء رحمة ربّهم ليكتشفوا أشعّة سينيّة من مجرّات تبعد عنّا ملايين السنين الضوئيّة حتّى يثبتوا حقيقة المادّة المظلمة، لذا قاموا بإنشاء ما يُسَمّى بـ”مصادم الهادرون الكبير” (Large Hadron Collider LHC) بين فرنسا وسويسرا:

large_hadron_collider

وهم على وشك اكتشاف الكثير الكثير من أسرار عالم الكمّ الّذي يجمع بين متناهي الصغر وهائل الضخامة تاركاً إيّانا في حيرةٍ أمام هذا النظام! فهل يستطيع العلماء تخليق جزيئات المادّة المعتمة في مُصادم الهادرون هذا؟ وقد فعلوا!

ولأنّ المادّة تحتاج طاقة حتّى تصبح لها ديناميكيّة، ولأنّ المادّة المعتمة عصيّة على الفهم، ارتأى العلماء أن يجعلوا لها طاقة على شاكلتها أسموها…لكم أن تخمّنوا…أحسنتم! أسموها الطاقة المعتمة، طالما أنّ هناك مادّة تتحمّل سوداويّتها فَلِمَ لا؟! ولا تستهينوا بهذه الطاقة الافتراضيّة، فهي تُشكّل الـ 70% المتبقّيّة من الكون موزّعة بالتساوي في “الزمكان“! الفراغ في الكون كبيرٌ جدّاً وهذه الطاقة السوداويّة وُجدت لتؤنس وحدته! كون هذه الطاقة متوزّعة بالتساوي على الزّمان والمكان (الزمكان بأبعاده الأربعة) فهذا يعني أنّها لا تخفّ مع تمدّد الكون، ولا يمكن تعقّب أي جاذبيّة موضعيّة لهذه الطاقة، فأثرها على الكون كلّه لا على بقعة دون الأخرى، ربّما هذه الطاقة الكونيّة هي الّتي تدفع الكون للتمدّد بهذا التسارع؟! في الحقيقة، فإنّ سرعة تمدّد الكون وتسارعه الّذين تُمكن ملاحظتهما من خلال مرقاب “هَبِل” الفضائي (Hubble Telescope) -وبصورة أفضل ربما من خلال خليفته مرقاب “ويبّ” (Webb Telescope)- هما الدّليل الّذي اعتمد عليه العلماء، إضافة إلى مشاهدات أخرى، في إثبات وجود هذه الطاقة وحساب كمّيتها.

بهذا تكون قد تشكّلت في أذهاننا فكرة، ولو بسيطة، عن القوى الأساسيّة الّتي تحكم المادّة المحسوسة، والّتي عملت كحلقة وصل توصّلنا من خلالها إلى مفهوم المادّة والطاقة المعتمتين الّتين تملآن الـ 96% غير المتحيّزة من هذا الكون -سواءً في الفراغ البين المادّي أو الكونيّ، وسنسعى في الفصل الثالث إن شاء الله أن نعدّد الجسيمات الرئيسيّة المسؤولة عن كلّ هذا ودور كلّ واحدة منها.

Quantum Mechanics 2

للاطّلاع:
http://home.web.cern.ch/about/physics/dark-matter