ميكانيكا الكمّ 101: ج1 – قوى الطبيعة الأساسيّة

featured

(عبدالرحمن المحتسب) #1

ميكانيكا الكمّ 101

الجزء الأوّل: قوى الطبيعة الأساسيّة

أحياناً، تكون في جلسة يتحاور فيها الموجودون (أو بعضهم) عن مواضيع مهمّة تمسّ الشارع وهموم المواطنين، ولأنّهم استنزفوا كلّ هذه المواضيع فإنهم لا يجدون بُدّاً من النقاش حول قضايا ميكانيكا الكمّ الشائكة وأسئلتها المحيّرة وقطة شرودنجر ولا يقينيّة هايزنبرج وهلمّ جرّاً! فتشعر حينها وأنت في وسط تلك الثُلّة من العلماء الجهابذ أنك (كالأطرش في الزفّة) وربما تبدأ بالتبسّم وهزّ الرأس مومئاً بموافقتهم على ما يقولون، على الرغم من أنّهم هم أنفسهم قد لا يكونون متفقين مع أنفسهم، وكلّ ما يدور ببالك في ذلك الحين أنّك تستذكر أسماءً مثل هايزنبيرج وبور وبلانك قد مرّت عليك في مرحلة الثانويّة، لكنّك لا تستطيع أن تتذكر من هذا كلّه سوى قانون نيوتن الثالث لرد الفعل (فكلّه ميكانيكا شيكابيكا في نهاية المطاف) هذا إن درست في كلّية الهندسة أو العلوم بعدها وزارك نيوتن مرّة أخرى بالطبع، فلا عزاء للآداب والأعمال والعلوم الإدارية هنا.

هل معرفة ماهيّة ميكانيكا الكم ترفٌ فكريّ؟ إنّ ما توصلّ إليه العلم في عصرنا يُحتّم على كلّ ذي لُبٍّ لبيبٍ أن يفقه المفاهيم العامّة في الفيزياء النظريّة وعلوم الكونيّات والكمّ حتى يتسنّى له الحصول على صورة “مُحدّثة” عن الكون الّذي نعيش فيه وما آلت إليه نظرة الإنسان إليه، دون الدخول في تعقيدات اصطلاحاتها وفلسفة رياضياتها. ولأنّني، كما هو حال بعضكم، بعيدٌ بعض الشيء عن هذا المجال، وأواجه مشكلة في مواكبته، ارتأيت أن أضع هنا بعض التعريفات للمفاهيم الكمّية والجُسيماتدون الذرّية” (subatomic particles) لنستفيد جميعاً منها.

بدايةً، نطرح السؤال المهم: ما هي القوى الخفية الّتي تحرّك هذا العالم؟ لا، ليست الماسونيّة…وليس سبونج بوب أيضاً…
على أيّة حال، فإنّ ما يحرك هذا العالم، بل الكون قاطبة، وبمشيئة الله و إرادته، هي قوى أربعُ لا خامسة لهنّ (على ذمّة الفيزيائيين) وهي:

القوّة القويّة (The strong force)

هي القوة التي تُبقي على مكونات نواة الذّرّة (البروتونات موجبة الشحنة والنيوترونات متعادلة الشحنة) متماسكة على الرّغم من قوّة التنافر الهائلة بين البروتونات. ومدى تأثيرها قصير جداً، و بحسب إحدى النماذج فإنّ هذه القوة توصف على أنها تبادل جسيمات تُسمى “بيونات” (Pions) وجسيمات أخرى غيرها كالـ”كواركات” (Quarks). ويحكم مسافة انتقال هذه الجسيمات من نقطة إلى أخرى قانون هايزنبيرج للّايقين (وهو أنّنا لا نستطيع أن نحدد الطبيعة الموجية <الزخم> والطبيعة الجسمية <الوضع> للكتلة دون الذرّيّة في آن واحد). ومن اسمها، هي الأقوى بين القوى الأربعة.

القوّة الكهرومغناطيسيّة (Electromagnetic force)

وهي القوّة الّتي تتولد بين الشُّحنات الكهربائية وبين المجال المغناطيسي المُتفاعل معها. تُعتبر كلتا القوّتين الكهربائيّة والمغناطيسيّة مثالاً على تبادل القوى عن طريق تداول نوع آخر من الجسيمات يعرفها أغلبنا وهي “الفتوتونات” (Photons). الدراسة الكمّية للقوة الكهرومغناطيسية تُعرف بالديناميكا الكهربائيّة الكمّيةQuantum Electrodynamics QED” (اسم الدراسة مترف بما يكفي!). وعلى عكس القوّة القويّة، فإنّ مدى القوّة الكهرومغناطيسيّة -نظريّاً- لا مُنتهٍ، إلّا أنّه يتناسب عكسيّاً مع مربّع المسافة (أي إذا تمّ قياس القوّة من على بعد متر واحد من المصدر، ثمّ تمّ قياسها من على بعد مترين، فإنّ مقدار القوّة ينحسر إلى الرّبع، لأنّ مربّع الواحد واحد، ومربّع الاثنين أربعة). القوّة الكهرومغناطيسيّة هي القوّة الّتي تُمسك الذرّات والجزيئات بعضها مع بعض. ولأنّ قوى التجاذب والتنافر بين الشحنات في الذرّات والجزيئات تسود على القوى الثلاثة الأخرى على المستوى الذرّي وما فوق الذرّي، فإنّنا عادة ما نقوم بتجاهلها و التركيز على القوّة الكهرومغناطيسية بل الكهربائية على وجهة الخصوص.

قوّة الجاذبيّة (Gravitational Force)

كلّنا يعرف الجاذبيّة ويشعر بها كلّ لحظةّ في حياتنا، لكنّها لم تعُد تلك القوّة الّتي تحدّث عنها أرسطو أو فسرها نيوتن ووضع لها قانونها فحسب. فمنذ أن وضع آينشتاين مفهوماً جديداً لقوّة الجاذبية، مع حفاظه على ما قاله نيوتن أنّها تعتمد على حجم الأجسام المتجاذبة و تتناسب عكسيّاً مع مربّع المسافة (كالقوة الكهرومغناطيسيّة)، وصف آينشتاين الجاذبية بأنّها انحناء في “الزمكان” (Space-time continuum) والّتي استطاع من خلالها تفسير دوران الأرض حول الشمس، فتح بما توصّل إليه المجالَ للمشتغلين بفيزياء الكمّ للبحث عن طبيعة هذه القوّة الكمّيّة والّتي لا تزال غير واضحة للآن. وقد وضعوا للـجُسيم دون الذرّيّ المسؤول عنها -على غرار القوى الأخرى- اسماً هو “جرافيتون” (Graviton). ويبقى الحديث عن الجاذبية أعقد بكثير ممّا نتصوّره وإن كانت ظاهرة الجاذبيّة خاصيّة محسوسةّ في المادّة على عكس القوّتين القويّة والضّعيفة الّتي سآتي على ذكرها الآن.

القوّة الضعيفة (The weak Force)

وهي التفاعلالضعيف!” الّذي يحصل عند تبادل جسيمات دون ذرّيّة تُسمّى (بوزونات) “Bosons” و تحديداً البوزونات الأساسيّة W و Z، ولها تأثير أيضاً على نوعيّة الكواركات المتبادلة، والّتي ذكرنا أنّها متعلّقة بـالقوّة القويّة. ولهذه القوّة الضعيفة أثر كبير جدّاً على الكون من خلال عملية الاحتراق الّتي تحدث في الشمس (وغيرها من النجوم)، إذ تتحوّل البروتونات في أنوية ذرات الهايدروجين إلى نيوترونات ليتكون عندئذٍ (الديتيريوم) “Deuterium” وهو أحد نظيري الهايدروجين الثقيلين (إضافة إلى “التريتيوم“)، حيث تقوم أربع ذرات ديتيريوم بالاندماج لإنتاج ذرّة هيليوم وكمّيّة هائلة من الطاقة المُصاحبة (لعلّكم لا تذكرون ذلك، لكنّنا نراجع موضوعاً درسناه في صفوف المدرسة!). ونفس الأمر يحدث عند تكوّن أنوية النظائر الثقيلة في العناصر المُشعّة.
ولهذا، نستطيع الاستنتاج أنّ هذه القوّة الضعيفة، وهي ثاني أقوى القوى بعد القوّة القويّة هي المسؤول الأول عن فاجعة هيروشيما و ناكازاكي، و حادثي تشيرنوبل و فوكوشيما ومفاعل ديمونة والأزمة النوويّة الإيرانيّة…إلخ (فعلاً، ياما تحت السّواهي دواهي!).

سأتحدث في الجزء الثاني عن المادة المعتمة والطاقة المعتمة إن شاء الله، و سيكون الوضع قاتماً بعض الشيء!

Quantum Mechanics 1

للاطّلاع:
http://hyperphysics.phy-astr.gsu.edu/hba…/forces/funfor.html

https://youtu.be/a-6skWBuHaE