مع الفستق وحساسية الفستق…لكي لا نحرم جيل النصر المنشود من هذه النعمة الجميلة!

featured

(عبدالرحمن المحتسب) #1

في مطلع هذه الألفية، قامت الأكاديمية الأمريكية لطبّ الأطفال بتحذير الآباء والأمّهات من إطعام أطفالهم الصغار منتجات الفستق مخافة أن يكون لديهم حساسيّة تجاهها وذلك لجديّة الخطب، إلّا أنّهم تراجعوا عن التحذير في 2008 لعدم توفّر الأدلة على ذلك. ولكن، لماذا كلّ هذا التخوف؟

إن نسبة شيوع الحساسيّة من الفستق في الدول الغربيّة تضاعفت خلال العقد الأخير فقط، وبدأ انتشارها بالتوسع في إفريقيا وآسيا، فما أسباب ذلك، وكيف تمكن الوقاية من هذه الأنواع من الحساسيّة خصوصاً إذا علمنا أنّ الفستق ومنتجاته ينتشر بشكل كبير في المأكولات والمشروبات المتناولة في أيدي الأطفال، ويكفي القليل القليل منها أن يستفزّ الجسم ليقوم بالاستجابة المناعية.

ولأنّ البعض لا يدرك حجم هذه المشكلة، أو حجم مشكلة الحساسية، قام مايكل جروس بطرح هذه التساؤلات في تقريره في العدد الأخير من مجلة علم الأحياء المعاصر التابعة لمجلة الخلية أو سيلّ (Cell) قائلاً:

“لماذا يعاني البعض من الحساسية، ولماذا يزداد شيوعها يوماً بعد يوم؟ سؤال حيّر الباحثين في علم المناعة، وعلى الرغم من وجود العديد من الدراسات الحديثة الّتي كشفت عن بعض الغموض، إلّأ أنهم لمّا يحصلوا على الإجابة بعد، لعلّ للأمر ارتباطاً بتفاعلنا مع الحشرات والأفاعي وغيرها على مرَ العصور لتُظهر خطرها على الجسم. أمّا الفستق والرّحيق والبنسلين وغيرها من المحسسّات الّتي ظهرت في الحقبة الأخيرة، فهي غير مؤذية لغالبية الناس، ومع ذلك فهناك نسبة قليلة تتزايد اطّراداً ممّن يعانون من الحساسية تجاه إحدى أو بعض هذه المحسّسات الّتي قد تتسبّب بمضاعفات خطيرة جدّاً تتراوح بين طفحٍ جلديٍّ بسيط أو التهابٍ في الأغشية المخاطيّة، وبين التأقّي (Anaphylaxis) الّذي قد يودي بحياة صاحبه إذا لم تجرِ معالجته حال حدوث الصدمة. فلماذا إذاً يقوم جهاز مناعة في منتهى التعقيد والفاعليّة بالتفاعل مع جسيمات أو مركبات غير مؤذية ليصل به الأمر إلى القضاء على جسم الإنسان؟ ولماذا تبدو الحساسيّة أكثر انتشاراً في المناطق الصناعية والحضريّة في العالم خلال القرن المنصرم تحديداً؟”

على الرغم من الكشف عن كثير من التفاصيل حول هذا الموضوع خلال العقود القليلة الأخيرة، تظل هذه الأسئلة دون جواب علميّ شافٍ، خاصة أنّ المحسسّات من كلّ نوع ولون بحيث يصعب علينا إيجاد نمط مشترك تتفاعل به المناعة معها جميعها.

ولأنّ العلماء يدرسون كلّ محسّس على حِدة، ولأنّ الحساسيّة من الفستق هي من أكثر أنواع الحساسيّة انتشاراً وخطراً على الأطفال، قام باحثون بريطانيون بنشر دراسة حديثة لهم في مجلة نيو إنجلاند للطب هذا الأسبوع عن مدى تأثير تناول الأطفال الرضّع للفستق أو منتجاته على تقليص احتماليّة نشوء حساسيّة عندهم تجاهه.

الدراسة أجريت على 640 طفلا رضيعاً في الأعمار ما بين 4 إلى 11 شهراً مصابين بعدة أنواع من الحساسيّة ومعرّضين للإصابة بحساسيّة الفستق، بحيث يتم تزويدهم بغذاء يحتوي على الفستق بشكل مبرمج ومصمّم لكل طفل وتحت رقابة من الأطباء في قسم الأطفال في الجامعات المشاركة في الدراسة حتى وصولهم سنّ الخمس سنوات في مقابل مجموعة أطفال منعوا منه لتتمّ المقارنة.

زبدة_الفستق

خلُص الباحثون في الدراسة إلى أنّ تعوّد الطفل على مكونات الفستق في هذا العمر يقلل بشكل كبير من احتمالية الإصابة بالحساسية تجاه الفستق لدى الحاملين لنزعة الإصابة بها، بحيث قاموا بأقلمة جهازهم المناعي لقبول مكونات الفستق في أجسامهم.

في مقابلة أجرتها المجلة العلميّة الأمِريكيّة “Scientific American” مع رئيس الباحثين في هذه الدراسة د. جيديون لاك، رئيس قسم الأطفال في الكلية الملكية “King’s College” في لندن، يردّ د. لاك على بعض الأسئلة بالآتي:

ماذا تنصح الآباء الآن بناءً على نتائج الدراسة؟ هل عليهم أن يطعموا أطفالهم الصغار منتجات الفستق؟
لأولئك الذين لا تظهر عليهم خطورة وجود قابلية للتحسس، كأن لا يكون عند الطفل “إكزيمة” في الأشهر الستة الأولى من حياته ولم يظهر أي تحسّس من أي نوع من الأطعمة، نعم، أوصي بإطعامهم المنتجات الّتي تحتوي على الفستق. هؤلاء الأطفال عليهم أن يبدؤوا بأكل زبدة الفستق حال فطامهم، المهم أن لا تكون أوّل ما يقوم الطفل بأكله كي لا يتسبب أيّ عسر في الهضم أو غصّة في البلعوم بردة فعل تؤجّج المناعة مسببةً حساسيّة ضدّها. أمّا الأطفال ذوو القابلية للتحسس فعليهم مراجعة طبيب مختص لعمل الفحوصات ووضع نظام خاص ومناسب لهم لتجنّب الحساسية في المستقبل. إذ لو وجد هناك تفاعل بسيط مع الفستق فإنّه من الضروريّ أن تكون المرة الأولى الّتي يتناول فيها الطفل زبدة الفستق تحت إشراف طبّيّ، ومن المهم أن يداوم الطفل على تناولها إن استطاع ذلك على الأقل في السنوات الثلاث الأولى من حياته أو حتى الخمس.
ماذا عن الأطفال غير المصابين بهذه الحساسيّة؟ هل عليهم أيضاً أن يداوموا على أكل الفستق؟
بعد انتهائنا من هذه الدراسة طلبنا من الأهل أن يجنّبوا أطفالهم أي طعام يحتوي الفستق لمدة 12 شهراً لنرى إن كانوا سيحافظون على تحملهم للفستق بعد ذلك، سنعرف ذلك قريباً.
ما هي تبعات هذه الدراسة على كيفيّة محاربة هذه الحساسيّات؟
قد تنطبق هذه الطريقة على مُحسّسات أخرى، على الأقلّ من الناحية النظريّة، ولكن يظلّ هناك حذر من أن لا يتفاعل الجسم مع المحسّسات الأخرى كتفاعله مع الفستق. علينا أن ننتظر النتائج من أبحاث أخرى قائمة حالياً.
هل الفستق مُحسّسٌ من نوعٍ مختلف؟
كلّ مٌحسّس مختلف بدوره عن الآخر. المميز في الفستق، وليس خاصاً به، هو أنّه يحتوي على عدة بروتينات كلّها قد تسبب الحساسية. الفستق مقاوم للحرار -لذلك نستمتع بتحميصه- كما أنّه مقاوم للتغير في درجة الحموضة وصعب الهضم، وفوق ذلك فإنّ تحميصه يزيد من مُحسّسيّته لا العكس، لذلك فهو مُحسّس قويّ فعلاً، وهذا ينطبق على بعض المُحسّسات الأخرى لكن ليس بنفس الطريقة بالضرورة.

إذا، ماذا نفهم من هذا كلّه، الفستق طعام مفيدٌ ومصدر غنيّ بالبروتين والدهون الصحّيّة، وعلى الرّغم من أنه ليس حلو المذاق لقلة نسبة السكريّات فيه، إلّا أنّ زبدته ، مع العسل أو المربّى الطبيعيّ غير المُسكّر مثلا، كفيلة بأن تكون خياراً أفضل للأطفال والبالغين بدل “نوتيلّا” ومن لفّ لفّها من السكّريات الشرّيرة اللّاتي ينصبن لكم أشراكهنّ بحلاوتهنّ وطعمهنّ اللّذيذ، فإذا ملتم لهنّ ووقعتم في حبائلهنّ أردينكم موارد “المُكرّشين” وأقبعنكم في مرابع المُثخنين، مع تشديدي على أهمية الشوكولاتة الطبيعية وفائدتها…ليس هذا موضوعنا. المهم أن لا نحرم أطفالنا من هذه النعمة بأن نمنع أجسامهم من تطوير حساسيّة ضدّ الفستق.