مسألة أخلاقيّة في الاسترضاع

featured

(عبدالرحمن المحتسب) #1

بدايةً، عليّ أن أُبين أنّني لا أميل إلى الخلط بين الحوار الدينيّ والبحث العلميّ، وإن كان الإسلام يحثُّ ويدفع على العلم، إلّا أنّه لم يكن من اختصاص الشارع أن يكون سلطاناً على العلم من حيث البحث والاستكشاف، ولم يرَ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- حرجاً في أن يقول لأصحاب النّخل في المدينة: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. لكن مهما كان البحث العلميّ في سعة، فإنّه حينما يمسّ الإنسان وخصوصيّته واحتياجاته في تطبيقاته أو استخداماته البحثيّة أو الطبّيّة، فإنّ هناك سؤالاً أخلاقيّاً علينا أن نتجاوزه أوّلاً، سواء كان هذا السؤال دافعاً أو مانعاً. ولأنّنا نعيش في مجتمع إسلاميّ، ولأنّ خُلُقَنا الإسلاميّ خلق مُؤيّد -كما وصفه الفيلسوف الإسلاميّ طه عبد الرّحمن- وليس مَقِيساً بالعقل المجرّد أو مسدّداً بالموروث والتجربة الإنسانيّة فحسب؛ كان لا بدّ لأخلاقيّاتنا الطبيّة الحيويّة أن تشمل في خطابها المنظور الشرعيّ تحريّاً ولزوماً.

يقول الله تعالى في سورة النّساء: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ“، ويقول النّبي -صلى الله عليه وسلّم- في الحديث الصّحيح: “يحرم من الرضاعة ما حُرّم من النّسب“، والراجح من أقوال الفقهاء: أنّ الطفل يحرم بخمس رضعات حتّى لو كانت الرّضعة مصّة واحدة، طالما أنّ الرضيع ترك الضَّرْع من تلقاء نفسه. ليست مهمتي هي التعرض للأمر من ناحية فقهية، لكن ما يهمّنا أنّ هذا حكم شرعيّ سواء كان مبنيّاً على أساس علميّ أم لم يكن مبنيّاً، ولكن وُجد أنّ الرضاعة ليست بالأمر الهيّن، ولها قيمة كبيرة في تحديد سلوك الأمومة، وتقوية أواصر العلاقة بين الأمّ والطفل؛ فالاستئناس بالتفسير العلميّ للحكم الشرعيّ هنا حسنٌ دون مبالغة من هذا على هذا أو هذا على ذاك. لِمَ -إذن- أبدأ بهذه المقدّمة؟

فوائد الرضاعة الطبيعيّة لا تقتصر على تغذية الطفل فحسب (لأنّ الرضيع على الأغلب لن يستطيع الاعتماد على الحليب المُستحثّ فقط)، بل لتقوية أواصر المودة والترابط العضويّ والنّفسي بين المُرضعة والرضيع أيضاً، فضلاً عن الفائدة الصحّية للمُرضعة والفائدة المناعيّة والذهنيّة وغيرها للطفل الرّضيع. الرضاعة الطبيعيّة -على شُحّها- لا تُعوّض بالحليب المجفّف!

لقد حرّم الإسلام التّبنّي، وفي الوقت ذاته حثّ على كفالة اليتيم وغياثة الطفل والجائع، ومن مقاصد الشرع حفظ النّفس. فكما سعت ثقافات أخرى -كالأفارقة في البلاد المنكوبة بالفقر، و”الإيدز”، والمثليّات، ومن لا يردن الحمل والولادة في البلاد الغربية- إلى استغلال عمليّة الاسترضاع؛ لإنشاز عظم الطفل المتبنّى وإنبات لحمه، ولتقوية أواصر المودة بينهما، وتعميق شعور الأمومة عند المرضعة، فمن باب أولى أن نلفت إلى أنّ في الإرضاع وسيلة لتبنّي اليتيم دون حرج شرعيّ، وذلك من خلال إرضاعه. وقد يكون ذلك سهلاً على المرضعة الطبيعيّة، لكن هلّا فكرنا في أنّ هناك حالات لا تكون فيها الأمّ مرضعة أو في سنّ ما بعد الطمث؟ أو عاقراً أو ربما لم تتزوج قطّ! وأرادت أن تتبنّى يتيماً وترعاه؟ لم لا نرفع الحرج عن كثيرين ممّن وجدوا في مسألة المحرم والأجنبيّ حرجاً في الرّفق بيتيم أو عائل، إن كان بإمكاننا أن نتجاوز ذلك من خلال تسهيل إجراءات عمليّة الاسترضاع في مراكزنا الصّحية، وتوعية الأمّهات لها سواء لإرضاع أطفالهنّ أو إرضاع غيرهم؟ بل لمَ لا يضطلع أهل العلم والإفتاء الشرعيّ في البحث في المسألة حتّى لا يخرجوا علينا بتحريمٍ هنا أو تجريمٍ هناك، دون أن يتفكروا في حقيقة الأمر ويدرسوه جيّداً في مجامعهم الفقهية التي لم نعد نسمع بها كثيراً في ظلّ الفتاوى اليتيمة التي ملأت الشاشات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي؟ وإن كنتم ترون أنّ هذه المسألة لا تعنيكم فهي تعني كثيرين آخرين!

يعرف “الاسترضاع” (Induced Lactation): بأنّه عملية استدرار الحليب في ثدي المرأة غير الواضع أو غير المرضعة؛ بهدف إرضاع طفلٍ دون أن يتهيّأ جسدها طبيعيّاً لإنتاج الحليب. نعم، هناك وسائل يمكن لغير الوالدة، أو العاقر، أو لمن انقطع عنها الطمث، أو من لا تنتج حليباً كافياً، أن تنتج من خلالها حليباً قريباً لدرجة كبيرة من الحليب الناتج طبيعيّاً لدى المرضعات (خلا حليب اللّبأ).

عندما نزل تحريم التّبني، وجدت زوجة أبي حذيفة حرجاً من مولاها سالم -الّذي تبنّياه مذ كان صغيراً- بعد أن بلغ ولم يعد بإمكانه الدخول عليها، وهي له بمثابة الأمّ وهو الابن. فأتت النّبي -صلى الله عليه وسلم- تشكو له قلب الأمّ، فقال لها النّبي -صلى الله عليه وسلّم: “أرضعيه حتى يدخل عليك” وفي رواية قالت له: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟! فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: “قد علمتُ أنه رجل كبير“. وهذا حديث رضاع الكبير الذي يعرفه بعضكم لكثرة ما تُكُلِّم فيه بالباطل. وسبب ذكري للحديث: هو أنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم- ارتأى أنّ الرضاعة هي البديل عن التّنبي، بغضّ النّظر عن كون الحديث حادثة عين، أو عامّاً، أو خاصّاً بالحالات المشابهة لها، فهذا ليس من شأني الآن، وإرضاع الكبير لا يعني مباشرة من الضَّرْع، فالشرب من وعاء يجزئ (أمّا شبهة رضاع الكبير مباشرة من صدر المرأة فما هي إلّا انعكاس لما في داخل بعض النفوس). ما أردت أن أذكره هو أنّ أمر الرّضاعة غدا أسهل بسبب قدرة الطبّ على استحثاثه في غير الواضعات والمرضعات، ولذلك فإنّني بقدر ما أحضّ النّاس والأطباء أن ينظروا باهتمام أكبر إلى الرضاعة الطبيعيّة والاسترضاع، والاستفادة من هذه التكنولوجيا في نطاق غير محصور على إرضاع الأُمّهات لأولادهنّ، فإنّني أدعو المشتغلين في البحث الشرعيّ أن يتفقهوا في الأمر جيّداً، وأن يُشجعوا عليه حتى لا يتردّد الناس مخافة أن يكون في ذلك حرج شرعيّ، ومخافة أن يتسرّع البعض بأحكام وفتاوى تضلل النّاس دون تدبّر أو اجتهاد صحيح. هذه ليست فتوى بل إلتفاتة ونصيحة لأهل الطّبّ وأهل الشرع، والله من وراء القصد.

لا يقتصر حديثي على مسألة الاسترضاع، فقد أشرت للعلاج الجينيّ للمايتوكوندريا من قبل على سبيل المثال، وهناك العديد من الأمثلة التي لا ينضب معينها ممّا أظنّ أن لو بادرنا لبحثها قبل أن نذرها للزمن لنبقى في مؤخرة الأمم لأفادنا كثيراً وغيّر من نظرتنا عن العلم والطبّ.

mom-holding-baby-illustration