القارئ (The Reader): سؤال الأخلاق وإجابة المحرقة

featured

(عمر فارس) #1

(1): تحليل العلاقة

بطريقةٍ سينمائية اعتيادية، تبدأ العلاقة بين مايكل (ديفيد كروس) والبطلة هانا (كيت وينسلت) بمرض الأول ومصادفته لهانا، حين كان يشعر بتوعّك في معدته، في الزقاق المؤدي لمنزلها. تساعده على النهوض وتوصله إلى المنزل. يرقد في الفراش لأشهر، من ثم يقرّر الذهاب إليها ليشكرها على لياقتها معه. تسأله عن حالته الآن، فيجيب بأنه جيّد، لكنّ المرض كان مملاً، وما خفّف عليه ذلك هو قراءة بعض الكتب. هنا، ينكأ مايكل جرح هانا النرجسيّ، فهي أميّة. بعد مضي دقائق، يرغب مايكل بالمغادرة، فترغب هي بمرافقته على الدرج. ينتظرها حتى تبدّل ملابسها ويختلس النظر إليها. تلاحظ هانا ذلك، وحين تتصادم نظراتهما يهرب مايكل مسرعًا. يعود إليها بعد فترة، وكنوعٍ من إرادتها لممارسة دور قائد العلاقة (التي ترغب هي بإقامتها)، الآمر الناهي، أمرتهُ بأن يعبّئ بعض الفحم من أسفل بيت الدرج ويعود به إلى المنزل كعقابٍ له، ومن ثم أعدتْ له حمّامًا ومارست معه الجنس كنوع من المكافأة، حتى تمارس دور المعطي/الآخذ. شيئًا فشيئًا، بسبب الاعتياد، يتحوّل مايكل من ناكئ للجرح النرجسي إلى مالئ للفراغ الذي يسبّبه ذلك الجرح؛ فتطلب منه أن يقرأ لها قبل أن ينام معها أو بعد ذلك (فكرة المكافأة مرة أخرى حسب مبدأ الاقتران الشرطي). ويتضح لنا في هذه اللحظة، دافع هانا لبدء العلاقة، ربما كانت الحاجة في البداية هي حاجة عاطفية جنسيّة لامرأةٍ وحيدة وحزينة، لكنها تتحوّل لعملية علاج للجرح النرجسي عندها، ونلاحظ ذلك في تقلّب ملامح وجهها عندما أجابها مايكل في المشهد الذي تحدثتُ عنه في البداية بأن كان يقضّي وقت المرض بالقراءة. مع تقدّم العلاقة، يصير مايكل دليلاً على جرح هانا بالنسبة للعالم الخارجي، والآخَر، ويبدو لنا ذلك في المشهد الذي يقابلها فيه بالترام.

بعد مدّة، وبسبب عدم اكتراث هانا لتفاصيل مايكل، الذي يمكننا اعتبار علاقته بها علاقةً نكوصيّة (أي، يتراجع إلى مستوى طفولي في حبها، يشبه حبه لأمه)، وذلك لعوامل كثيرة تتضمن أن هانا هي تجربته النسائيّة الأولى، حيث أن الرجل لديه صورة مسبقة عن النساء وهي أمه. وأيضًا فرق السنّ بينهما. يؤدي عدم الاكتراث ذلك لشعور مايكل بأنه مُهمل وتتجلى لديه صورة الأم السيئة، المهمِلة لأطفالها، ويحسّ بأنه مجرّد أداة لديها، تناديه دائمًا بلفظة “Kid”. في النهاية، بعد عدّة مناوشات، تؤول العلاقة بينهما إلى الفتور؛ هو يتجه لخط سيره الدراسي، وهي تستقيل من وظيفتها لأنها رُقّيتْ إلى عملٍ مكتبيّ قد يتمّ من خلاله اكتشاف ضعفها (الأميّة). واشتغلت حارسةً في سجن “أوشفيتز” حتى لا تضطّر لاستخدام القراءة أو الكتابة.

(2): سؤال الأخلاق وجواب الفيلم

منذ القِدم، وهناك نقاش طويل حول سؤال: الأخلاق طبيعة إنسانية أم صفة مكتسبة؟ وهذا ما يطرحه الفيلم حسب رؤيتي..

بصدفةٍ لازمةٍ لتبيان رسالة الفيلم، يدرس مايكل المحاماة وتتورّط هانا، مع خمس حراس أخريات، بتهمة قتل يهوديّات سجينات، عامداتٍ، بسجن أوشفيتز، في عهد النازية، وبحادثة مسيرات الموت (Death marshes)، التي يتمّ فيها نقل السجناء الغربيّين إلى سجون أخرى في الشتاء القارص، عام 1944. يتم إرسال أعداد كبيرة من اليهوديات إلى معسكر أوشفيتز، فيقرر الحراس الست أن يقمنَ باختيار عشرة سجينات من قِبَل كل واحدة ليتم التضحية بهن كلّ شهر، بحجّة أن المكان لا يتسع. إحدى الناجيات، أدلتْ بشهادتها حول المتهمات الست وتعرفتْ عليهنّ بأنهن كنَّ يقمنَ بعملية الاختيار. لكنها أضافت حول هانا أنها كانت تختار الفتيات الصغيرات في السن، وتعطف عليهنّ وتطعمهنّ، حتى ظننَّ أنها لن تقتلهنّ، وكانت تجعلهن يقرأن لها بصوت عالٍ. ويمكننا فهم ذلك على أنه محاولة منها لتبرير فعلتها: هم يقرؤون، يمتلكون ما لا أمتلكه، ويذكّرونني بنقصي وجرحي النرجسيّ الذي حاولت نسيانه والهروب منه بانضمامي لهذه الوظيفة، إذًا، ليس من السيء قتلهم. لأن الإنسان الجاهل -حسب طرح الفيلم: الجهل متمثلاً بالأميّة- هو كائن لا أخلاقي، لا يميّز الخير من الشر، يُسيّس بسهولة، ويمكن إقناعه بمعتقدات مثل معاداة الساميّة. ولو أنه كان يبدو على هانا بأنها لم تؤمن بذلك، وإنما خُدعتْ، بسبب جهلها أيضًا. لكنّ هانا كانت بحاجة إلى مبرر نفسي لفعلتها.

أثناء إحدى مسيرات الموت، بعد إغلاق أوشفيتز، توقّف الحراس للتخييم وسمحوا للسجينات بالنوم في كنيسة في إحدى القرى. وبسبب غارات الحرب، قُصفتْ الكنيسة واشتعلتْ، لكنّ الحرّاس لم يسمحن للسجينات بالخروج حتى لا يهربن، وتركنهن للموت حرقًا. في النهاية، يتفق الحراس الخمس الأخريات على أن هانا هي من كانت المسؤولة عن تلك العملية، وهي من أوعز بترك السجينات للموت. فعرض عليها القاضي تقريرًا ما، وسألها إن كانت هي من قامت بكتابته، فلم تُجب. وطلب منها عيّنة من خط يدها (أي فضح سرها) فترفض ذلك وتعترف بأنها كانت المسؤولة (يُحيلنا هذا إلى الشخصية الألمانية المترفّعة التي طالما سمعنا عنها).

11211780_957829687581417_214112299_o

يحدّث مايكل أستاذه في الجامعة بأنه يعرف دليل براءة هانا، ولكنّ المشكلة أنها مذنبة بجهلها، وترفض الاعتراف بذلك (هنا يتحدث عن صعوبة التغيير، وأنه يجب أن يكون من خلال الشخص نفسه. وهي فكرة مستهلكة). ينصحهُ أستاذه بزيارتها ومحاولة تبرئتها، لكنه لم يجرؤ على ذلك. في النهاية، يُحكم عليها بالسجن مدى الحياة. بقي مايكل بعيدًا بعدها، لا يزورها ولا يعرف عنها شيئًا. لكنه حين قرر العيش لوحده بعد طلاقه من زوجته، يتضح لنا أنه لم ينس هانا أبدًا، فعندما كان يرتّب مكتبته، مرّ على الكتب التي كان يقرؤها على مسامعها (الأوديسة، السيدة مع الكلب الصغير) وقرّر، بدافع الذنب، أن يقوم بتسجيلها، هي وغيرها، ويرسلها إلى هانا عسى أن تؤنس وحدتها. وبدأت من خلال ذلك هانا بتعلم القراءة ذاتيًّا (التعلم والثقافة = اكتساب الأخلاق)، وبعد ذلك أخذت بإرسال رسائل مقتضبة له، لكنه لا يردّ، فهي مذنبة وتعلّم القراءة ليس هو ما يغفر فعلتها بقتل السجينات البريئات. بعد انقضاء مدة محكوميّتها، تتواصل إدارة السجن بمايكل لأنه الوحيد الذي كان يتراسل معها طيلة العشرين سنة الماضية. فيذهب لمقابلتها قبل أن تخرج من السجن ليحدثها عما أعده لها ولحياتها القادمة، لحظتها يتكشّف لنا سبب مراسلتها منذ البداية لأنه بادرها بالسؤال إن كانت تفكّر بالماضي، لا ماضيهما، وإنما جريمتها. أي أن سبب إرسال الكتب هو تثقيفها وإكسابها العلم والأخلاق اللازمة لإدراك حجم خطيئتها. فقالت أنها قبل المحاكمة لم تكن تفكر، لكنها الآن (بعد التثقّف) أصبحت تفعل, وقالت أنه لا يهمّ ما تفكّر به، الذين ماتوا لقد ماتوا ولا يوجد علاج لذلك. في النهاية، تصبح متعلمة، وتظهر لها جريمتها كحقيقة صلبة، لا يكفّر عنها سوى التطهّر، والعقاب بالمثل. واستخدم المؤلف رمزية العلم الذي قادها لمعرفة ذلك، فقد استخدمتْ الكتب التي تمتلكها لتصعد فوق الطاولة وترتفع كي تنتحر. مايكل كان يقودها بشكل غير مباشر لتكون قربانًا يكفّر فيه الشعب الألماني عن خطيئته. هل هي حقًا خطيئة الشعب الألماني، وهل هذا الإحساس بالذنب موجود لديهم فعلاً؟

11092673_957829954248057_780671050_n

(3): تعقيب

في إحدى المشاهد يدور التالي: “يقول أستاذ الجامعة: المجتمعات والدول تقوم على شيء يسمى الأخلاق، لكنهم لا يعملون بها فعلاً. إنهم يتّبعون القانون. السؤال في قضية المتهمات ليس (هل كنَّ مخطئات؟) وإنما (هل كنَّ يخالفنَ القانون؟). ليس بقوانيننا الآن، بل بقوانين ذلك الزمن. يردّ أحد الطلاب: أوليس هكذا يكون القانون ضيّقًا؟ يُجيب الأستاذ: نعم، القانون ضيّق. لكنّ القاتل يعلم تمامًا أنه (مخطئ)”. الكلمة الأخيرة في الحوار هي الأهم، ويقصد بها الأستاذ أن الإنسان حين يُقدم على فِعلةٍ يعرضها على مرجعيته الأخلاقية، ويقيّمها، لا القانون، أي أن هانا كانت لا تقوم بأي شيء خاطئ حسب مرجعيتها الأخلاقية، لأنها جاهلة، كما ذكرنا سابقًا.

تضاربت الآراء في حقول البحث حول أصل قيم الخطأ والصواب، والأخلاق الإنسانية. هل هي طبيعة إنسانية (Nature) أم مُكتسبة (Nurture)؟ انطلاقًا من حقيقة أن الصفات المادية، الجسدية، هي ذات أصل طبيعي جيني مُتوارَث، اعتقد بعض العلماء (Nativists) أن صفات الشخصية والقيم الإنسانية هي نتاج التطوّر، والاختلافات بين البشر هي بسبب شفراتهم الجينية المتميّزة. إذًا، عندما يُلاحظ على أي شخص ميلٌ ما فهو نتاج لعامل جينيّ. مثلاً، نظرية جون بولبي في العلاقة ما بين الأم وطفلها التي تقول أنها صفة طبيعية في الإنسان وتدعم ميوله للحياة، وادعاء تشومسكي بأن اللغة تأتي من جهاز طبيعي اسمه جهاز اكتساب اللغة، ونظريات فرويد في صراع نزعة الحياة ونزعة الموت الطبيعيّتين. لكنّ هنالك صفات لا تظهر في فترة الطفولة، وإنما تظهر بعد ذلك بداعي النضوج، حسب ادعاء تلك الطائفة. يمكنهم القول أننا نمتلك ساعة بيولوجية، تعمل وتغيّر سلوكَنا بطريقة مُخطَّط لها مُسبقًا. مثل التغيّرات التي تحصل في شخصية الإنسان عند عمر البلوغ. وعلى الجانب الآخر، هنالك علماء (Environmentalists) كان ادعاؤهم الأساسي أن عقل الإنسان هو صفحة بيضاء وتتم تعبئتها نتيجة للخبرة اليومية. أي أن الصفات والقيم الإنسانية هي نتاج التعلّم، وكيفية نشأتك هي من تتحكم بالنواحي النفسية لتطوّرك من الطفولة، أما النضوج فهو يتحكم بعوامل بيولوجية لا أكثر. مثلاً عندما ينشئ طفل علاقة مع أحد ما فهي نتيجة للحب والانتباه الذي تلقّاه، واللغة تأتي من ملاحظة كلام الآخرين وتقليده، أما المعرفة يتحكم بها مدى حثّ المحيط عليها.

بعد ذلك، اتجه العلماء، من يقفون ضد وجهات النظر التي تقول بأخذ أو ردّ الكل، بأن السؤال الآن هو مدى تأثر الإنسان وقيمه بالعوامل الطبيعية (الجينية) والعوامل المكتسبة (البيئية) معًا؟ أي أن صفات الإنسان هي نتاج للتفاعل بين الحقلين؛ هنالك قابليّة جينية وهناك مؤثر بيئي. ولا يمكن بأي شكل من الأشكال، ردّ صفةٍ ما لدى الإنسان إلى عامل جيني أو بيئي واضح، فالمسألة مركّبة ومتفاعلة جدًا. هذا يُعيدنا إلى الفيلم، ومحاولته لتبرئة الألمان أمثال هانا، لأن لديهم قابليّة جينية للتعلم ومعرفة الخطأ والصواب، لكنّ العوامل البيئية، مثل النظام الحاكم، هي التي وجّهتهم للممارسات العنصرية تجاه اليهود. أي أنهم أخيار من الداخل.

11210369_957829784248074_986134837_n

(4): لماذا المحرقة دائمًا؟

يمكن تمثيل موضوع القيم الإنسانية في قوالب كثيرة، لكن لماذا المحرقة؟ هل لأنها فعلاً تمثّل اختبارًا حقيقيًّا لتلك القيم، وتصنيفَ التحضّر يعتمد على الموقف من المحرقة؟ ربما لن نتعجب من هذه الأسئلة كثيرًا عندما نعلم أن ثلاثة من أكبر شركات الإنتاج في هوليوود مُدارة من قِبل يهود (WARNER, DISNEY, COLUMBIA). العديد من المنظمات اليهودية عارضت الفيلم، وادعتْ أنه يتعاطف مع امرأة نازية (حتى الحرق تم في كنيسة لا غرفة غاز). لكنني أرى أن الفيلم لا يتعاطف معها، بالعكس، هو يعاقب امرأة رأت أن ما فعلَتْهُ لم يكن ذنبًا كبيرًا، مع أنها تملك القابلية لأن تتعاطف معهم لولا ظروف بيئية خارجة عن نطاق سيطرتها. حتى حبيبها عاقبها، كما أوضحت في الأجزاء السابقة. إن وجود المحرقة كنقطة مطروحة للحوار، وموضوع للسينما الآن، بعد مرور زمن طويل واقتلاع النازية من جذورها، يحيلنا إلى الاعتقاد بأن ذلك هو اشتغال على غطاء تبريري لما تفعله إسرائيل اليوم. فرسالة أحقيّتها بفلسطين تحتاج إلى غطاء يجلب لها التعاطف، حتى من يختلفون مع إسرائيل سيقولون: “شعب مظلوم، لا بأس إن ارتكب بعض الأخطاء”. وهذه الرسالة بحاجة لأن يتذكرها العالم من فترة لأخرى وبوسائل شتى منها السينما، السينما التي تستطيع تغيير حقائق وخلق حقائق من الفراغ.

إذًا – حسب طرح الفيلم – من تكون لديه عوامل بيئية اشتغلتْ على تثقيفه، سيكون متعاطفًا مع المحرقة، ومآلاتها التي أنتجتْ شعبًا ظالمًا يحبّ تقمّص دور الضحية الوحيدة في العالم -حسب طرح المسيري– كما يتضح لنا في لقاء مايكل مع الناجية الوحيدة في نهاية الفيلم، ولا بأس من أن يُخطئ قليلاً طالما أنه عانى!