أثر الثقافة العربية المهمشة على توكيد الذات الفردي والجمعي

featured

(هالة طعمة) #1

“أما إذا نشأت الأجيال الجديدة على الحب و احترام الفكر، وأما إذا أحست مبكرا بمحاسن الثقافة، فإن علاقتها بهذه الأخيرة ستكون مختلفة و سيخالجها غامر الشعور بأن هذه الثقافة إنما هي ثقافتها، و ستكون على استعداد لتحمل التضحيات في سبيلها بالعمل و نكران التلبيات الغريزية الضروريين لبقائها و استمرارها” فرويد: مستقبل وهم.

تعتبر الثقافة بحسب الجابري:” أنه سواء اعتبرنا الثقافة نظم مختلف أنواع الإنتاج المادي و الروحي و مختلف السلوك الاجتماعي و الأخلاقي أو حصرنا معناها في الإنتاج النظري وحده، فهناك في جميع الأحوال معطيات تشكل أو تعبر عن الخصوصية الثقافية لهذا الشعب أو ذاك”.

ثم يضيف في موقع آخر من كتابه تكوين العقل العربي:

” والثقافة العربية بوصفها الإطار المرجعي للعقل العربي نعتبرها ذات زمن واحد منذ أن تشكلت إلى اليوم، زمن راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية، يعيشه دون أن يشعر بأي اغتراب أو نفي في الماضي عندما يتعامل فكريا مع شخصيات هذا الماضي، أدبائه و مفكريه، بل على العكس هو لا يجد ذاته تماما، ولا يشعر بالاستقرار ولا يحسّن الجوار إلا بالاستغراق فيه وانقطاعه له”.

أي أن الثقافة العربية هي الجزء اللاشعوري الحي داخل كل ذات عربية، هي جذر العقل العربي الجمعي إن جاز التعبير.

و لا يخفى على أحد أن هذه الذات، قد تعرضت لتشويه بفعل تهميش أهم ركائزها ألا وهو الثقافة العربية؛ فعندما ينظر العربي لنفسه أمام المرآة يجد ضعف هذا الثقل الكريه على كتفه، و عندما يوضع العربي محل المقارنة مع الأمم الأخرى خاصة الغربي يجد ذات جمعية مستهلكة، إرهابية، مستغلة، متخلفة عن ركاب التطور العلمي والفكري، منكّسة بسبب تتالي المآسي والنكبات العربية، و يظهر نفوره على أشده حينما يتبنى دور الجلاد أو بتعبير فرويدي حينما يتماهى مع العدو و يذوب في الآخر الذي من المفترض أن يبغضه، لأن هذا الآخر لا ينأى عن إهانة صورة الإنسان العربي خاصة في إعلامه ، حيث يقول إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق:

“وأما في السينما و التلفزيون فترتبط صورة العربي إما بالفسوق أو الخيانة وسفك الدماء، فهو يظهر في صورة صاحب الشهوة الجنسية الطاغية، المنحل المنحط، القادر ولا شك على أن يحيك مؤشرات خبيثة بارعة، و من الأدوار التقليدية للعربي في السينما دور تاجر الرقيق، و سائق الجمال، و الصرّاف، و الوغد الجذاب و كثيرا ما يظهر القائد العربي (لعصابة لصوص أو قراصنة أو جماعة من الأهالي المتمردين”.

سيّما أن هذا الغربي لم يأتي لبلاده محملا بالزهور الحانية!

فبالرّغم من الصّورة النّمطية المتوقّعة للعربي الناقم على التدخل الإمبريالي والطغيان الثقافي، إلا أن العربي قد ينسى نفسه و حقده الظاهري و يعجب بداخله بصاحب السلطة إلى حد أن يتشبه به في كل سلوكياته دون السؤال عن الفائدة.

و بتعبير ابن خلدون:”المغلوب مولوع بتقليد الغالب”.

arab image

و من ناحية نفسية يعتبر هذا الأمر طبيعي، لأن إحدى سمات العقل البشري الميل للتعميم، فنحن على سبيل المثال: عندما نعرف شخصا ذكيا في مجال معين نميل لتوقع أن هذا الفرد ذكي بكل جوانب حياته، وهذا ما يستحيل!!

و باعتقادي يظهر على الساحة حالتين أخريتين تميلان أكثر للدفاع عن بقايا الهوية العربية و تأكيدها على عكس الأول؛فيظهر دعاة الإسلام المعتدل أو القومي المنفتح، كنوع من عمل توازن بين تراثه الحضاري وإرثه التاريخي و بين حاضره، نوع من الذوبان دون قتل ذاته الخاصة.

و بكلمات علي شريعتي:”العودة إلى الذات الموجودة بالفعل و الموجودة في قلب المجتمع و في وجدانه، تلك الذات القائمة على أساس الإحساس العميق بالقيم الروحانية و الإنسانية عندنا”. من كتاب العودة إلى الذات.

و أخيرا يظهر المتطرفون في هويتهم سواء كانت دينية كالجماعات الدينية المتطرفة والإرهابية منها أو القومية المتطرفة و الرافضة لمد أي يد لبوابة الحضارة الغربية.

و من زاوية أخرى نجد أن ثقافتنا العربية للأسف تميل لتقزيم الذات الفردية و تعزيز الذات الجمعية المضحية على حساب الأنا الفردي و هذا أمر لا خلاف على أنه مستحب ، لكن الزيادة فيه تستحق منا الاستهجان!

و قد وجدت من خلال خبرتي في ذاتي وفي علم النفس حين كنت أستشار بمشكلات خاصة، أن هناك مشكلة من المشكلات النفسية التي تؤثر بشكل جدي على الفرد العربي ألا و هي توكيد الذات؛ بحسب أوتيري (OTEARY):

” فإن عدم قدرة الفرد على أن يسلك بطريقة توكيدية تكون بسبب غياب المهارات الاجتماعية لديه، فالفرد التوكيدي يكون غير قادر على التعرف على مشاعره الانفعالية الحقيقية و يفشل في رفض الطلبات غير المعقولة و لا يدافع عن حقوقه المشروعة و غالبا ما يستغل من قبل الآخرين”.

أما طريف شوقي فيعتقد أن توكيد الذات:

“سلوك يشير إلى قدرة الفرد على الدفاع عن حقوقه ضد من يحاول انتهاكها، و التعبير عن آرائه، سواء اتفقت أو اختلفت مع الطرف الاخر، و الإفصاح عن مشاعره السلبية أو الإيجابية للآخر، و مقاومة محاولات الآخرين لتوريطه أو للضغط عليه للرضوخ لمطالب غير معقولة”.

كما أشارت العديد من الدراسات العربية منها والأجنبية إلى أن هناك ارتباط سلبي بين الاغتراب و كل من مفهوم الذات و تقديرها.

و من هذه الدراسات؛ دراسة أنتون (Antoun) التي أسفرت نتائجها على أن الأفراد الأكثر اغترابا هم الذين يشعرون بمستويات منخفضة من تقدير الذات، و تتفق هذه الدراسة مع دراسة الأستاذ عبد اللطيف محمد خليفة (علاقة الاغتراب بكل من التوافق و توكيد الذات و مركز التحكم و القلق و الاكتئاب).

و نعني بالاغتراب النفسي هنا؛ شعور الفرد بالغربة و العزلة النفسية عن مجتمعه الذي ينتمي اليه و رفضه للقيم و المعايير الاجتماعية السائدة و تمايزه عنها.

و تتباين ردود فعل الأفراد حيال مشاعر الرفض و الضيق هذه، فقد يسعى للتمرد عليها و مخالفتها رغبة في تغيرها أو يشعر حيالها بالعجز و اللاقوة فيترك دفة القيادة لهذه القوى الخارجية المتحكمة به و قد يشعر باللامعنى و الفراغ الوجودي و اللامبالاة حيال هذه القيم فيتخذ موقف حيادي معها.

و نجد أن المهارات الاجتماعية الضرورية لتوكيد الذات تقل لدى الفرد المغترب و منها : المبادرة، الاستقلالية، القدرة على المواجهة، احترام الذات، إبداء الرأي.

و بالرغم من أنني بداية لم أكن آخذ بعين الاعتبار أثر الثقافة العربية إلا حين تكرر استدلالهم على ضعف توكيدهم لأنفسهم أمام الآخرين في المواقف الاجتماعية بالعادات و القيم فكانت حججهم كالآتي:

*من العيب أن أرفض المساعدة حتى و إن لم أقدر.

*الثقة بالنفس تعني الغرور.

*لا يجب أن أرد أي ضيف أتى لزيارتي فجأة أو أرفض الحديث مع الناس حتى و إن كنت منهكا!

*يجب أن أحترم الأكبر مني سنا حتى و إن شتموني؛ هكذا تربيت.

*أفضل أن أنسحب بدلا من عمل المشاكل لا أحب أن أكون الشخص السيء بنظر الآخرين.

*من المستحسن أن أتسامح في حقي في سبيل عدم جرح مشاعر الآخرين.

ثم وجدت بعدها أني بحاجة لكي أغير هذه الأفكار التي يصفها ألبرت أليس بالأفكار اللاعقلانية، أن أغير القيم اللا منطقية التي تربى عليها الفرد العربي، و أعتقد أن هذا العمل عمل جمعي على مستوى مجتمعي، لأن آثاره تنعكس في نظرة العربي لنفسه و نظرته أمام الغربي.