ناروتو ضد سوبرمان: نظرة إلى الإختلافات بين الشعوب والثقافات

japan-usa-culture

هذا المقال نشر سابقا على المدونة الشخصية للمؤلف، وتم تقديمه وإعادة نشره هنا كبحث للقاء “الإعلام والفكر والمجتمعات” الذي تم عقده بتاريخ 14/02/2015.

من سينتصر إذا تعارك ناروتو وسوبرمان؟

حسنا، قبل أن يشمّر عشاق كلا الشخصيتين عن سواعدهم للبدء في معركة تحديد الفائز، دعني أسأل سؤال آخر أكثر هدوءا:

ما الفرق بين هاتين الشخصيتين؟ أو بشكل أعم، ما هو الفرق بين الإنتاج الفني الياباني (الأنيمي Anime) وبين الإنتاج الفني الغربي والأمريكي (الأبطال الخارقون والكوميكس Super heros and Comics) ؟

هل هناك فرق؟ وهل يمكن لهذا الفرق أن يساعدنا في تخطي التسلية التي تجلبها هذه الإنتاجات الفنية، لنصل لفهم أكبر لطبيعة المجتمعات والثقافات التي أنتجتها؟

في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات من القرن الماضي قام عالم سيكولوجيا الإجتماع ورئيس قسم أبحاث الموظفين في شركة آي بي إم في ذلك الوقت، جيرت هوفستاد Geert Hofstede ، بعمل دراسة شملت أكثر من 117000 شخص في أكثر من 50 دولة حول الإختلافات العامة بين هذه الثقافات. هذه الدراسة التي كانت أول دراسة من نوعها أصبحت الأساس لمنظومة عمل في علم الإجتماع والإدارة بإسم نظرية أبعاد هوفستاد الإجتماعية ( Hofstede Cultural Dimensions Theory). تضمنت هذه النظرية مقارنة للثقافات والبلدان المختلفة على ستة محاور مختلفة، وكانت من أوائل الدراسات التي أثبتت وجود إختلافات يمكن قياسها بين الثقافات، وأن هذه الإختلافات تؤثر على سير الحياة والعمل في المؤسسات العامة والخاصة وغيرها.

عودة لسؤالنا الأول، سأتطرق فيما يلي لبعض الملاحظات والإختلافات التي يمكن إستخلاصها من الأنيمي الياباني مقابل الكوميكس الأمريكية، مع عرض علاقتها بنظرية أبعاد هوفستاد وغيرها من النظريات. هذه ملاحظات مختصرة ويمكن إضافة العديد غيرها والتفصيل فيها بشكل أكبر في مقالات لاحقة إن شاء الله.

الفردية مقابل الحس الجماعي

naruto_friends_by_whostolemycookies-d7eekb4batman_alone

ربما يكون أوضح فرق بين اليابان والمجتمعات الغربية بشكل عام، مقدار التركيز على أهمية العمل الجماعي ونبذ الفردية، بينما على النقيض من ذلك على سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية تحمل حسب بحث هوفستاد أعلى نسبة للفردية في العالم. المجتمعات الجماعية (وتنتشر في المجتمعات الشرقية) تركز على أهمية أن يكون الفرد جزءا من الكل، وتركز أيضا على أهمية العائلة والأصدقاء في تحمل صعوبات الحياة، يظهر هذا النمط في تفاصيل كبيرة وبسيطة مثل طريقة التعريف عن النفس (في اليابان مثلا تذكر إسم العائلة ثم إسمك عند التعريف عن نفسك وذكر أسماء الآخرين، على عكس النمط الغربي وحتى العربي مثلا) بينما المجتمعات الفردية (المجتمعات الغربية بشكل عام) تركز على عيش الحياة كفرد، وتحمل الصعوبات كفرد، والفشل في هذا يعني الفشل الشخصي.

يظهر هذا النمط في الكوميكس الغربية، حيث يكون البطل الخارق وحيدا، يعمل منفردا، يواجه مشاكله لوحده، ويبعد أحباءه عنه خوفا من أن يصيبهم مكروه، لأن مهمته أن يحمي العالم لوحده. ويتضح ذلك في تقلب نمط العلاقات بين الشخصيات إذ يكاد كل الأبطال أن تكون علاقاتهم الشخصية غير ثابتة ومتقلبة. حتى المسلسلات والأقلام التي فيها عنصر الفريق والجماعة أغلبها لها أصول شرقية مثل برنامج “Power Rangers” أصله برنامج ياباني إسمه “Super Sentai”.

super-sentai-spiritsmighty_morphin_power_rangers_by_butters101-d73baih

بينما الأنيمي الياباني يركز على العمل الجماعي، فتجد أن البطل إما يهدف لأن يحمي أصدقاءه (وليس العالم)، أو أن يقره المجتمع (ناروتو مثلا Naruto)، أو أن يصل لعلاقة ذات معنى مع من حوله. تجد البطل يصل إلى الشرير مثلا بمساعدة أصدقاءه، ولا يستطيع الوصل له إلا بعونهم، ويكون الأصدقاء جزءا مهما من القصة، وليس حبكة إضافية.

friends_fairybleach_protect

العبقرية مقابل العمل الدؤوب

يتكلم مالكوم جلادويل “‘Malcolm Gladwell” في كتابه “Outliers” عن نظرة المجتمع الغربي لصفات الناجحين والمميزين، والتي منها الإيمان بالعبقرية الفردية والحتمية الجينية. يؤمن المجتمع الغربي بأن الوراثة تحدد الكثير إن لم يكن أغلب صفات الفرد وإنجازاته في الحياة، وأن الناجح يحمل IQ أعلى من غيره على الأغلب. طبعا في كتابه يعارض جلادويل هذه الفكرة، لكن على أي حال يهمنا هنا النمط السائد في المجتمع الغربي.

على النقيض من ذلك، وكما يبين كتاب جلادويل، المجتمعات الشرقية القادمة من ثقافة زراعة الأرز والحياة الصعبة، تعلي قيمة العمل الدؤوب والجاد. تركز الثقافة اليابانية بالتحديد على أهمية أن يعمل المرء ويطور من مهاراته بنفسه، وعلى أن العمل الشاق يحطم أي أفضلية وراثية. حسب نظرية هوفستاد فاليابانيون مثلا لديهم نسبة عالية من تصنيف محور الصفات الذكورية “Masculinity” أي أن المجتمع مدفوع بالتحدي، الإنجاز والنجاح.

leespiderman

نرى هذا بشكل واضح أيضا في الإنتاجات الفنية. في الكوميكس الغربية نجد أن أكثر الأبطال الخارقين إكتسبوا صفاتهم مرة واحدة ودون تعب مخلوق فضائي، عضة عنكبوت، خاتم سحري، صعقة برق … إلخ”، وعلى النقيض من ذلك نجد الأبطال عادة في الأنيمي الياباني يركزون على التدريب والفشل ثم التعلم من الفشل والتدريب مرة أخرى لينتصر على الخصم الذي هزمه أول مرة. نجد أيضا مقاربات بين العباقرة بالفطرة وبين الذين يعملون ليكتسبوا المهارات والإنتصارات. (Naruto vs Sasuke. Rock Lee vs Neji في مسلسل ناروتو مثلا).

أصل قديمتصوُّر جديد

في عام 1633م قام الشوجن لقب الحاكم العسكري لليابان Shogun” بمنع السفر خارج اليابان، وتدرج هذا الأمر في السنوات اللاحقة إلى أن أصبحت اليابان في عزلة تامة عن العالم الخارجي وثقافته واخباره. هذا القرار السياسي أدى في العقود المقبلة إلى أثر حميد، وهو تطور وإزدهار الثقافة اليابانية، نشوء أنواع مختلفة من الفنون، غنى في الحرف والقصص والحكايات، وغيرها. ثراء الثقافة اليابانية وتميزها قد يعزى لفترة العزلة هذه. لكن بعد أفول نجم الساموراي في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبدء إنفتاح اليابان على الثقافة الغربية والصناعة الغربية والحضارة الغربية بشكل عام، بدأت حركة من التخلخل الثقافي والإنحلال عن هذه الثقافة، والإتجاه نحو الحداثة. تمثلت هذه الحركة في رفض القديم المعارض للفكر الحديث، أو تحويره ووضع تصور جديد كليا له يأخذ من القديم الإسم له. (يمكننا أن نعزي غرابة بعض الثقافات المنتشرة حديثا في اليابان إلى حركة المد والجزر هذه بين غنى القديم والتوجه نحو الحديث).

يظهر هذا النمط من طرح أمور وقصص ومبادئ قديمة بشكل مختلف كليا عن أصلها التاريخي، في الإنتاجات اليابانية. فبينما يقوم كتاب القصص الغربيين في العادة بتتبع القصص والأساطير التي يستخدمونها في قصصهم والإلتزام بشكلياتها (مثلا طور Thor و لوكي Loki من أساطير شعوب شمال أوروبا، تجد تمثيلهم في قصص الأبطال الخارقين بنفس الشكل، الأفعال، التسلسل والقدرات المطروحة في الأساطير القديمة)، يقوم اليابانيون بطرح لا يلتزم أبدا بالقصة أو الأسطورة القديمة، مع الإحتفاظ بإسمه. مثلا قد تجد قصة في الملك آرثر (الأسطورة الإنجيليزية) عبارة عن فتاة، وقصة يكون فيها الشياطين Demons مخلوقات لطيفة وديعة، وقصة فيها ملائكة الموت Shinigami مخلوقات تقتل البشر بكتابة إسم البشري في دفتر لتطيل من حياتها، أو قصة العدو الشرير فيها هي ملابس (نعم، ما يلبسه الناس) مثلا، وهكذا.

هذه التصورات الجديدة وعدم الإلتزام بالقديم، تنتج قصص وثقافات مميزة جدا وغريبة جدا، من الصعب أن تجد مثلها في الثقافات الغربية.

fate stay night
الملك آرثر، تصوّر جديد
king arthur
الملك آرثر، الأسطورة

معنى الحياة، القيم والعدمية

الحضارة الغربية متأثرة بشكل كبير بالقيم والفلسفات المستمدة من الديانة المسيحية تحديدا، ولا ينتفي وجود هذا التأثير وإن كانت بعض المجتمعات نسبة المتدينين فيها لا تتعدى 50% (أمريكا) أو تكاد تكون الأغلبية الساحقة ملحدة (كندا، أوروبا … إلخ).

واحد هذه التأثيرات مسألة القيم المطلقة وثنائية الخير والشر في الحياة، فنجد أن أغلب الأعمال الفنية والأدبية تتناول صراع قوى الخير وقوى الشر فلسفة مثنوية”، ووجود قيم مطلقة كالحق والعدل والخير والحقيقة إلخ. قد يكون هناك نوع من التغيير على هذا النمط في السنوات الأخيرة، لكن يبقى هو النمط السائد في الإنتاج الغربي عموما.

في الجهة المقابلة، الثقافة اليابانية متأثرة عموما بفلسفة ديانتين هما الأكثر إنتشارا في الجزر اليابانية: ديانة الشنتو، وديانة البوذية. هناك عدة إختلافات جذرية بين هذه الديانات وبين الديانات الأخرى بشكل عام، منها عدم موجود ثنائية الصراع بين الخير والشر، عدم وجود ممثل لقوى الخير وممثل لقوى الشر، وعدم وجود تركيز على قيم مطلقة مثل العدل مثلا. هاتان الديانتان تركزان بشكل عام على فلسفة سعادة الإنسان في الحياة وتعامله مع من حوله، وعلى صراعه الداخلي، وعلى التعامل مع الكون كما هو. حتى مفهوم الآلهة كامي Kami” الياباني لا تعني نفس المفهوم الذي يتبادر للذهن في الديانة المسيحية السائدة أو حتى الديانات الإغريقية مثلا، الآلهة لديهم تعني بشكل أو بآخر أرواح أو أطياف مبجلة، لذلك يكثر عددهم، ويعتبرون أن أجدادهم آلهة … إلخ. لذلك يمكن أن نقول أن الديانات اليابانية قريبة من الفلسفات الحلولية العبثية الإله هو الكون والكون هو الإله” أكثر من الفلسفات الغائية أن تفعل ما تفعله لغاية، لقيمة مطلقة، مثل الحق والخير ”.

هذه العوامل، وربما غيرها، سهلت تحول المجتمع الياباني عن معتقداته السابقة إلى معتقدات حديثة مادية عبثية (nihilism). الفلسفة العبثية تعني إيمان الشخص بعدم وجود غاية موضوعية في الحياة، لا هدف، لا غاية، لا نتيجة لا عاقبة لا خير لا شر، لا عدل، لا قيمة مطلقة بأي شكل.

fma6
إعتبار قيم مطلق كالعدالة مفاهيم غير حقيقية، نسبية أو غامضة
batman_justice
مفاهيم كالعدالة تستخدم بكثرة في الإعلام الغربي والكوميكس
chaos5
حقيقة “الحقيقة” والإرادة موضوع متكرر في الأنيمي

هذه القيمة تناقش بشكل واضح أشد الوضوح في الأنيمي الياباني. لا يكاد هناك مسلسل مشهور يخلو من نقاش واضح أو مبطن حول معنى الحياة، الغاية، هل هناك خير أو شر، هل هناك هدف من وجودي … إلخ. أغلب هذه التساؤلات تفضي في الأنيمي الياباني إلى واحدة من نتيجتين: إما إلى عدمية ونسبية مطلقة، وإما إلى الإعتقاد بوجوب بحث الإنسان عن معنى خاص به فقط وهو عادة ما يفضي إلى العائلة والأصدقاء كما ذكرنا سابقا. ونجد مواضيع واضحة عن الصراع مع الآلهة والقدر أيضا في الألعاب والأنيمي الياباني وصياغة الإنسان قدره الخاص حسب مفهومهم للإله والقدر”.

fma5
إيجاد معنى للحياة في الصداقات
LR_FFXIII_Bhunivelze_battle
صراع الإنسان والآلهة موضوع متكرر

ما مدى تأثير هذه النظرة على مشاهد هذه الأعمال الفنية؟ أحد الأمثلة نهاية مسلسل إيفانجليون (Neon Genesis Evangelion) الأصلية، حيث صنفت النهاية من قبل كثير من مشاهدي المسلسل على أنها تبعث على الحيرة والكآبة. ببحث سريع تجد أن مخرج هذا المسلسل كان مصابا بكآبة مزمنة لفترة طويلة وكان يعالج في مستشفى صحي من المرض، وقد ذكر أنه وضع في المسلسل ما كان يفكر فيه في تلك الفترة، والذي نقل بالتالي شيئا من هذا الشعور لمشاهديه. الجدير بالذكر أنه على الرغم من ذلك، يعتبر هذا المسلسل من أشهر المسلسلات اليابانية.

كل هذه إشارات على تأثير الفلسفة العدمية العبثية على الإنتاج الفني الياباني.

البطل، نقيض البطل والشرير

إذا فالعدمية ورمادية الحياة سائدة، والتركيز على الصراع الشخصي مقابل القيم المطلقة هو الموضوع الشائع. وهذا ما يظهر أيضا في مفهوم البطل والشرير في الأنيمي الياباني. نجد أغلب القصص بطلها يغلب عليه طابع نقيض البطل “Anti Hero أي أن الشخصية الرئيسية في القصة ليست لديها صفات الأبطال، كأن يكون شخص جبان، لا يريد أن يساعد أحدا … إلخ” وتكون القصة حول وضعه في موقف لا يريد أن يكون فيه ولا يريد أن يكون بطله وفرضه عليه، ثم صراعه الداخلي النفسي مع رغباته ليتغلب عليها ويقوم بدوره لأسبابه الخاصة، والتي بالعادة تكون حماية العائلة والأصدقاء.

steins_gate
لا يهمني 5.7 مليار شخص في المستقبل

أو أن يكون البطل هو الشرير، أو حتى أن لا تدري من هو البطل ومن هو الشرير! كما قلنا مفهوم العدمية والرمادية والنسبية سائد في الفكر الياباني، لذلك من الشائع أن تجد طرفي الصراع في قصة معينة كل له أسبابه وتبريراته وغاياته النبيلة فلا تدري من هو البطل ومن هو الشرير، أو أن يزلزل كاتب القصة وجهة رأيك بأن يجعل البطل تارة يستخدم أساليب لا أخلاقية بالوصول إلى غايته وفي هذا الموقف يكون الشرير هو الأخلاقي. كثير من الأشرار في القصص اليابانية يتضح أن لديهم غاية نبيلة في ظاهرها (مثلا الحفاظ على سلام العالم، منع الحروب، إقامة النظام … إلخ) لكن طريقة وصولهم لهذه الغاية هي التي تصنفهم كعدو في القصة. نسبية الحق والباطل واضحة جدا في هذا النمط.

lelouch[2] 353504-light_yagami_super 16356be39c2d9fbeb83e68b6bda077c0 (1)

أو أن يتحول الطيب إلى شرير والعكس، وهو نمط شائع أيضا، أغلب الأنيمي الياباني يحوي عدوا تحول إلى صديق، أو شخص كنت تكره بالبداية ثم تحول بعد صراعه النفسي وكشفه لأهدافه الحقيقية إلى طيب في نظرك. جزء من الأنيمي يحوي شخصية تحولت من الخير إلى الشر أيضا.

فصراع الإنسان ورماديته محور أساسي من محاور طرح الأنيمي الياباني، على عكس الأبطال الخارقين الغربيين الذين يكون غالبا الخيّر يمثل الخير والشرير يمثل الشر دائما أبدا.

هناك ملاحظة أخرى، وهو رفض الفكرالياباني لفكرة البطل المخلّص، الذي يأتي من خارج مجتمع معين أو أصحاب مشكلة معينة ليخلصهم، في مقابل تجذر هذا الفكر (ربما لأصول الدين المسيحي مرة أخرى) في الأعمال الأجنبية (فلم أفاتار Avatar البطل أرضي ينقذ كوكب باندورا، سوبرمان من كوكب كريبتون يدافع عن الأرض، طور من آسجارد يدافع عن كوكب الأرض … إلخ)

ربما ما سبق قد يوضح لماذا هناك إختلاف أيضا في شهرة بعض المسلسلات في بلاد أخرى وفي نفس الوقت لم تجد نفس الشهرة في بلدها الأم (مثلا جرندايزر Goldorak إشتهر في العالم العربي وبعض بلاد أوروبا فقط، ولم يلق نفس الشهرة في اليابان، هل كان السبب صدفة؟ أم كون البطل ليس أرضيا والسلاح المستخدم للصراع غير أرضي، فبالتالي تعارض فكرة البرنامج فكرة الصراع الشخصي وتجاوز التحديات والعقبات بشكل شخصي دون الإعتماد على منقذ خارجي، المنتشرة في الفكر الياباني؟).

images (3)Grendizer-Wallpaper-grendizer-8947502-1024-768

حاضر، مستقبل، وروبوت

أحد محاور دراسة هوفستاد كان البراجماتية والنظرة طويلة الأمد” وفيه يقيس مدى تغليب الشعوب للتخطيط للمستقبل على الحاضر، وهنا نجد تمايزا آخر بين الحضارة اليابانية والأمريكية، حيث يهتم المجتمع الياباني بالمستقبل بشكل عام، ويغلّب الإنجاز والنجاح في المستقبل على رغبة الإستمتاع بالحاضر. ترك العالم أفضل مما كان يَغلُب على حل مشاكل الحاضر. ربما يتضح هذا في كون أغلب صراعات الأبطال الغربيين تتركز على حل مشكلة حالية أو التغلب على عدو حالي، بينما لا يقوم البطل بالتفكير في المستقبل وفي حال العالم بعد موته مثلا. على النقيض يغلُب على فكر الأنيمي فكرة تغيير العالم، وماذا سيحصل في المستقبل، وما الذي يمكننا أن نفعله الآن ليتغير المستقبل إلى الأفضل، حتى لو أدى هذا للتضحية بالحاضر، أو بالبطل نفسه.

كملاحظة جانبية على هذا المحور، أن كثيرا من إنجازات اليابان التي تعرف بها حاليا، أتت من نظرة ماضية للمستقبل، على سبيل المثال نعرف أن اليابان متفوقة في الإلكترونيات وعلم الروبوتات تحديدا، وربما يتضح أحد أسباب ذلك إن علمنا ان أغلب الأنيمي الياباني تتحدث أو تذكر أو تعرض لتكنولوجيا وروبوتات متطورة وغريبة سواء كان موضوع الانيمي ذلك أم لا (حتى في إقتباس لمسلسل سبايدرمان spiderman كان هناك روبوت رفيق له، غير موجود في أصل البطل الخارق الغربي. وغيره.). كثير من الأنيميات المشهورة فيها فكرة روبوتات وتكنولوجيا (جرندايزر، ايفانجليون، جندام، كود جييس .. إلخ) كثير من إنجازات التكنولوجيا الحديثة موجودة بكثر في الإعلام الياباني منذ سنين، ربما كان هذا من أسبابه النظرة المستقبلية التي حفزت الأجيال الجديدة على تحقيقها.

2549830-gundam-wing

خاتمة

هذا غيض من فيض، هناك الكثير من الملاحظات الأخرى التي يمكن الحديث عنها. قد يكون طرأ تغيير على ما سبق من ملاحظات على ثقافات الشعوب ولو قليلا في السنوات الماضية، نتيجة للإنفتاح المستمر بين ثقافات الشرق والغرب والعولمة، لكن تبقى العبرة، أن الإعلام والفن والأنيميشن والقصص الخيالية وغيرها، وإن كانت تُقصد للتسلية، إلا أن نظرة فيها تحت السطح قد تكشف خبايا وأسرار وإختلافات بين الأشخاص والشعوب والثقافات من جهة، والقدرة على التأثير على الأشخاص والشعوب والثقافات من جهة أخرى.

فوأنت تشاهد برنامجك أو عرضك المفضل بعد هذا المقال، إستمتع وروّح عن نفسك، لكن خذ من وقتك لتفكر ولو لحظة: ماذا يخبرك هذا العمل الفني، هذه القصة، هذا الفيلم، أو هذا الأنيمي، عن صانعه؟ :)

التوصيات: 1

Comment سجل دخولك للتعليق

لا توجد تعليقات