معجزات… جن… وعقلانية

يشيع بين التيارات والأيدولوجيات المادية المعاصرة، التي تعلي قيمة العلم المادي التجريبي، وبعض التيارات القديمة الجديدة من الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية، مفهوم ما يسمى بالعقلانية المقابلة للخرافة. يمكن إختصار دعوى هذه التيارات بعبارة أو عبارتين، فحواهما أن الإيمان بما يشاهد، وبقوانين الطبيعة، وبالتجربة، هي لب العقلانية. أي إعتقاد بأي أمر غير مشاهد أو غير محسوس أو أمر متجاوز للطبيعة، هو أمر لا عقلاني أو خرافي.

وبالتالي، يصبح الإعتقاد بإمكانية حدوث المعجزات، أو إمكانية وجود الملائكة والجن والشياطين، للأديان بشكل عام، وقصص الدين الإسلامي خاصة مثل الإسراء والمعراج والخوارق، وكل ما يقاربها، خرافات وأساطير لاعقلانية.

لكن ما معنى عقلانية؟ وكيف يمكننا عن نحكم على أمر ما بكونه إعتقادا عقلانيا أم لا؟ هل هناك قواعد محددة لذلك، أم هناك جهة تحددها؟

وبالمحصلة، هل هذه الإعتقادات عقلانية أم لا؟

هذا ما سنتحدث عنه خلال هذه السطور.

الفرق بين الإمكانية والإثبات

هذه المقالة لا تناقش وجود الخالق وعلاقته بالكون وقوانينه فذلك موضوع آخر. سنتحدث عن الإمكانية العقلية لبعض الأمور، أي كون إمكانية وجودها أو حدوثها متسقة مع العقل، وهو أمر يختلف عن إثبات وجودها أو حدوثها وهو ليس هدف هذه المقالة. ويجب التأكيد أن إعتبار الإمكانية العقلية لوجود شيء ما دليلا لوجوده هو مغالطة منطقية.

البجعة السوداء

كيف يضع العلماء أي نظرية؟ فلنفرض عالما يريد أن يدرس طائر البجع، رأى طائرا أبيض، ثم الثاني كان أبيضا، ثم الثالث أبيضا أيضا، ورأى ملايين البجع كلها بيضاء. هذا العالم سيقوم الآن من خلال مشاهداته الكثيرة الآن بوضع فرضية:

طائر البجع أبيض اللون دائما”.

سيقوم هذا العالم بعد ذلك بإختبار صحة نظريته بالبحث عن أنواع مختلفة من البجع، والتأكد من كونها جميعا بيضاء. مع كل طائر أبيض جديد تزيد ثقته بنظريته، ويزيد إعتمادها لدى العلماء كنظرية مثبتة علميا”.

لكن دعونا نطرح التساؤل التالي: بعدما يقوم هذا العالم بدراسة ملايين وحتى مليارات البجعات، هل هذا يعني أن هذه النظرية صحيحة بشكل مطلق؟

الجواب الذي قد يتبادر للذهن أن نعم، لأنها مثبتة علميا”. لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما، لأنك تحتاج فقط لبجعة سوداء واحدة، تظهر ولو بعد سنين في أقاصي الأرض، لنقض هذه النظرية تماما.

white_black_swans1

أي أن النظرية لا تثبت بشكل مطلق مهما إستقرأت من نتائج، وتكفي نتيجة واحدة لتخطيء نظرية كاملة.

هذا هو ما يعرف بمشكلة الإستقراء “Problem of Induction” (الإستقراء هو تعميم المشاهدة الخاصة على الحالات العامة، وسنتحدث عنه بعد قليل) وهو متضمَّن في مبدأ التخطيء الخاص بالفيلسوف كارل بوبر “Falsification Principle” (مبدأ التخطيء يدعوا العلماء إلى إختبار نظرياتهم ومحاولة إثبات خطأها، لأن الأدلة المثبتة لا تعني صحة النظرية بشكل مطلق).

بإختصار ملخص ما سبق أن الإثبات العلمي لا يعني أنه إثبات مطلق، والنظرية العلمية تظل معتمدة حتى تأتي قراءة جديدة أو يأتي متغير جديد يعدل النظرية أو يهدمها، ومهمة العلماء الجادين هي محاولة تخطيء نظريتهم وليس إثباتها فقط.

المثال السابق الخاص بالبجع هو مثال واقعي، إذ كان العلماء سابقا يعتقدون أن البجع لابد أن يكون أبيضا، حتى وجدوا نوعا منه أسود اللون. مثال آخر هو نظريات نيوتن للحركة، نظريات نيوتن هي نظريات مثبتة وكانت المعتمدة بشكل مطلق حتى بداية القرن العشرين، ثم أتت التجارب والقراءات في الجانب الكمي “Quantum” و سرعات الضوء، مما أدى إلى إستبدالها بنظرية إينشتاين لتلبية حاجة السرعات الكبيرة، ونظريات الكم للأشياء على المستوى ما دون الذري، وغيرها

لكن ما سبب هذا النقص في العلوم المادية؟

هل النار تحرق؟

لو سألت أي شخص عن الخاصية المميزة للنار، لأجابك بأنها الإحراق. حسنا، ماذا لو أخبرته أنك لمست نارا ولم تحرقك؟ في العادة سنجد أكثر الناس يصفون هذا القول بالجنون، الكذب أو اللاعقلانية. لكن لنفكر للحظة، ما سبب ربطنا المستمر بين النار والإحراق؟ السبب ببساطة أننا كبشر منذ الصغر، كنا نقرب يدنا إلى هذا الشيء المسمى نارا، فنجد شعورا مباشرا بالحرارة والإحتراق. مع تكرار هذه العملية يرتبط في دماغ الطفل الإحتراق مع هذا الضوء المتوهج. أي أننا حكمنا على هذا الإرتباط بحكم العادة”، وهو ما يسمى بالحكم العادي أو الطبيعي في علم الكلام والعقليات الإسلامية.

Fireplace

لندخل لعلاقات أعمق. مثلا لماذا نحكم على الإلكترون أنه سالب، والبروتون موجب، وأن العلاقة بينهما الإنجذاب؟ الجواب هو نفس حكم العادة وإن كان بسبب قراءات علمية، العلماء دائما يجدون هذه الخصائص مرتبطة بهذه المواد، وهذه الإرتباطات يطلق عليها مصطلحات مثل طبيعة المادة” خاصية المادة” قوانين الطبيعة”. نحن لا نحكم عليها إلا لتكرار النتيجة بحكم العادة مرة بعد مرة. نحن دائما نجد هذه العلاقة أو الخاصية فنطلق عليها قانونا.

لكن هل هذا الإرتباط مطلق؟ لو تخيلنا شخصا لم ير في حياته النار، ثم عرضته عليها، ثم سألته ماذا ستشعر إن لمستها. هل سيعرف؟ لو أخرجت إنسانا لم ير الشمس في حياته ثم سألته أستتحرك يمينا أم شمالا مع مرور اليوم، هل ستكون لدي حقيقة كونية أن الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب؟ وغير ذلك من الأمثلة.

الجواب هو أن لا، هذه العلاقات علاقات تنشأ بالعادة والتجربة، ويمكن تصور في العقل ضدها أو عدمها. هذه العلاقة يمكن إسقاطها على ما سبق ذكره من مشكلة الإستقراء.

مثلا تخيل أشخاصا في قرية نائية وأخبرتهم أن الإنسان يطير، وقطعة حديد ثقيلة تطفو على الماء، وأنه بالإمكان أن تتوقف الشمس في لحظة ما. في الغالب سيحكمون عليك بالجنون، لكن العلم أنتج الطائرة، والسفينة، وأخبرنا أن حركة الشمس مرتبطة بدوران الأرض وتوقفها وإن كان نظريا سينتج توقف اليوم والشمس بالنسبة لنا.

photo_42_big

إذا هناك فرق بين الحكم العقلي المجرد، وبين الحكم العادي الطبيعي العملي”. عمليا وماديا وطبيعيا، لابد من الإقرار بالعلاقة بين النار والإحراق مثلا، بين القفز والسقوط، بين مرور الزمن وحركة الشمس في السماء، لكن عقليا بشكل مطلق، ليس هناك ما يلزم أن تستمر هذه الحقيقة بشكل مطلق، ليس هناك ما يمنع إنفصال وإتصال وتغير العلاقات والخصائص وإن تكررت سابقا، وليس هناك ما يمنع تغير العادة وإن استمرت لآلاف السنين.

هذا هو مبحث مصادر الحكم في علم العقليات الحكم العقلي والحكم العادي”، وهو أيضا فرع من فروع فلسفة العلم.

لكن ومع ما سبق، قد تقول: أن نفي هذه العلاقات والخصائص والروابط والعادات عقليا لا يعني إلا أن الشخص لم يتعرف عليها ويختبرها، أو أن معلوماته قاصرة، وأن تصور ضدها لا يعني إمكانية وجود ضدها، وأن تكرار العلاقات في الكون دليل كونها قوانين مطلقة. أليس من الواجب عقلا أن تكون الطبيعة وقوانينها مطلقة وغير متغيرة؟

هذا ما سنتحدث عنه بشكل أكبر تاليا.

مشكلة هيوم ووحدة الطبيعة

بالإضافة لعلوم العقليات وعلم الكلام، فلسفة العلم الحديثة تتناول النقطة السابقة أيضا، وأبرز من تكلم فيها الفيلسوف ديفيد هيوم فيما يعرف بمشكلة هيوم”.

تتحدث مشكلة هيوم عن تساؤل مدى عقلانية شخص أخبرك أنه لا يعتقد، أو لا يوقن، أن الشمس ستطلع غدا على سبيل المثال. هذا الشخص لا يؤمن بأن الإستقراء “Induction” مطلق. ماذا نعني بالإستقراء؟ ببساطة أن تأخذ جزء من شيء أو مجموعة معينة، ثم تعمم صفاته على باقي المجموعة. عندما تقول أحمد أسمر البشرة، فلا بد أن أهل بلده سمر البشرة” أو عينة من 2000 شخص في منطقة معينة يحبون مشاهدة التلفاز، إذا كل من في تلك المنطقة يحبون مشاهدة التلفاز”، الشمس أشرقت منذ ملايين السنين إذا هي ستشرق غدا” أو مثلها، فأنت قد قمت بالإستقراء.

1306182 (1)

طبعا الإستقراء هو أساس الأبحاث العلمية وطريقة تعرفنا على العالم، لكن هل الإيمان به مبرر أو مدلل عليه؟

مشكلة هيوم تطرح مفهوم وحدة الطبيعة Uniformity of Nature” بمعنى أنك تؤمن أنك ستسيقظ غدا فتجد قوانين وسنن وعادات الطبيعة مثلما كانت اليوم وأمس إلى بداية التاريخ. عندما تقفز في الهواء فأنت تؤمن بأن وحدة الطبيعة تعني أن قانون الجاذبية سيستمر في العمل، بنفس الطريقة، دائما.

إذا سألت نفسك لماذا تؤمن بذلك، سيكون الجواب على الأغلب أن هذا ما وجدت الكون عليه دائما، وأن وحدة الطبيعة وجدت دائما، إذا هي ستستمر في الوجود. لكن الحجة السابقة وهي حجة الإيمان المادي بشكل عام” فيها مغالطة، إذ أنك تفترض صحة الإستقراء لتثبت الإستقراء، أي تحتوى مغالطة المنطق الدوار (وهي إستخدام الدليل كنتيجة والنتيجة كدليل مثلا: أ تثبت ب و ب تثبت أ).

ما الذي يجعلنا نؤمن بوحدة الطبيعة؟ لا فرار من الإقرار بأنها مسلّمة أو فرضية مزروعة في عقولنا، لكن ألا يمكننا تصور كون الطبيعة فيه ليست ذات قوانين ثابتة؟ بلى. ألا يمكن تصور تغيّر أو إنتفاء قوانين وعلاقات الطبيعة في اللحظة التالية مثلا؟ وما الذي يمنع حدوث مثل ذلك؟

إذا وحدة الطبيعة هي مسلّمة نؤمن بها بشكل غريزي، دون دليل أو إثبات عليها، ومع إحتمال عدم كونها صحيحة بشكل مطلق، وكذلك الإستقراء.

وعليه يكون الإيمان بوحدة مطلقة للطبيعة، أي أن قوانينها وعاداتها مطلقة غير قابلة للتغيير، هو إيمان بفرضية دون دليل. ويكون التسليم بوحدة الطبيعة تسليما عمليا ماديا داخل نطاق حياتنا العملية، وليس داخل نطاق العقليات المطلقة.

الكرة والدائرة

عدد من النظريات الفيزيائية المثيرة في العقود الأخيرة تتحدث عن وجودنا في عالم يحتوى عددا أكبر من الأبعاد مما يمكننا الإحساس به. نحن مخلوقات ثلاثية الأبعاد رباعية إن أضفت لها الزمن، يمكننا الإحساس والتفاعل مع الطول والعرض والإرتفاع. لكن تخيل مخلوقات تعيش في خمس أو سبع أو حتى أحد عشر بعدا!

التيسيراكت Tesseract هو محاولة لتخيل مكعب رباعي الأبعاد
التيسيراكت Tesseract
هو محاولة لتخيل مكعب رباعي الأبعاد

طبعا لن نستطيع التخيل، لذلك هناك تجربة ذهنية تساعدنا على تخيل ما لا يمكننا تخيله. تصوّر عالما ثنائي الأبعاد عالما كرسمة على ورقة مسطحة، أي عالما لديه طول وعرض فقط، ولا يعرف شيئا عن البعد الثالث الإرتفاع”. يمكنك تخيل مخلوقات ذلك العالم كدوائر ومربعات تتحرك في تلك الورقة. هذه المخلوقات لا يمكنها أن تتخيل مفهوم الإرتفاع، أو مفهوم الكرة والمكعب، وقدرتها فقط على التحرك داخل عالمها بالطول والعرض فقط.

تخيل لو أنك وضعت إصبعك داخل هذا العالم، ماذا سترى مخلوقات هذا العالم؟ سترى مقطعا دائريا يكبر ويصغر وستراه بمنظور عالمها ولن تدرك حقيقته الكلية لأنها لا ترى إلا ذلك المقطع حسب قدرتها تخيل مقطعا من شيء إسطواني كجزرة شرحتها بسكين”. أي أنها سترى إسقاط هذا الجسم ثلاثي الأبعاد على العالم ثنائي الأبعاد. لو كان لدى هذا العالم علماء لفسروا هذا الجسم داخل حدود قواعد عالمهم الدوائر والمربعات، ولنفوا أي إمتداد له خارج هذه الأبعاد.

time2 images (14)

الآن تخيل قلعة حصينة ثنائية الأبعاد في ذلك العالم، لا يمكن لأي دائرة أو مربع أن يدخلها. لكن أنت بمنظورك الثلاثي الأبعاد، يمكنك ببساطة أن تتحرك من أعلى الورقة، ثم تضع إصبعك في منتصف القلعة، وبإمكانك أن تحرك أو تأخذ أو تتفاعل مع أي شيء فيها.

بنفس الطريقة، يمكنك أن تقوم بعمل عملية جراحية لمخلوق الدائرة بسهولة جدا، إذا تمد يدك لتنتزع العضو المراد من أعلى، دون جرح أو فتح من جهة جسمه الثنائي الأبعاد!

أيضا، لو وضعت إصبعك من أعلى على جسم في هذا العالم ثنائي الأبعاد، يمكنك تحريكه يمينا ويسارا دون أن تستطيع مخلوقات ذلك العالم رؤية تأثيرك في البعد الثالث، أي دون تفسير مادي أو علمي داخل نطاق الحس الخاص بهم.

Screenshot from 2015-01-23 13:51:29

الآن تصوّر مخلوقا يعيش في أبعاد أعلى من أبعادنا، يرانا كما نرى نحن عالم الدوائر. يمكنه الدخول والخروج من هذا العالم بسهولة ضمن أبعاده الأخرى، إسقاطات تفاعلاته ستكون ضمن هذا العالم مثل مثال الإصبع”. وستكون قدراته اللامعقولة” كبيرة لدرجة أنه يمكنه أن يقوم بالتأثير على المخلوقات دون أي أثر مادي ثلاثي الأبعاد، لأنه يتدخل من بعده المتجاوز. دخول لأماكن مغلقة، تلاعب بأعضاء الجسم سلبا وإيجابا، السفر بسرعة عن طريق ما يعرف بالثقب الدودي … إلخ.

أي، أن عدم إحساسنا بما هو خارج عالمنا الثلاثي الأبعاد لا يعني عدم إمكانية وجود ما هو خارج نطاق هذا الإحساس. ورؤية حركة أو تفاعل أو ظاهرة داخل عالمنا المحسوس لا يعني أنه ليس لديها أي سبب أو إمتداد أو تأثير من أو إلى ما وراء عالم الحس. عدم الإحساس لا يعني عدم الوجود، وإمكانية الوجود لا تتنافى مع العقل.

تصور هذه الأمور مبهر حقا. طبعا العلم الحديث يؤمن بإمكانية وجود مخلوقات فضائية، وبإمكانية وجود أبعاد أخرى، وإمكانية التأثير والتأثّر بينها عن طريق الجاذبية مثلا. الإمكانية العقلية والرياضية موجودة، وإن لم تثبت بدليل مادي حتى الآن. وكما ذكرنا، نحن نتكلم عن الإمكانية فقط وليس عن الإثبات أو الوجود هنا.

العقلانية والدين

نصل إلى مربط الفرس: هل الإعتقاد بإمكانية حدوث المعجزات ووجود الغيبيات، أمر لا عقلاني؟

تعريف المعجزة الإسلامي هو خرق للعادة أو السنة الطبيعية، أي أنها توقف لأمر إعتدناه أو قانون ألفناه لفترة معينة.

فإذا كان إفتراضنا لوحدة الطبيعة، ولسريان العادات الطبيعية دائما، هو إفتراض لا دليل عليه، وإعتقادنا إياها هو إعتقاد بحكم الخبرة العملية والحياة المادية، فما الذي يمنع عدم إتصال عادة أو قانون بشكل مستمر وأبدي، إذا كان إستقراءنا لها ليس دليلا على مطلقيتها؟ أي ما هو المانع العقلي لخرق القانون وحدوث ما يسمى بالمعجزة غير العادية؟

ولماذا تكون نظريات الأبعاد والسفر بسرعات فائقة وغيرها أمورا مقبولة عقليا وعلميا، لكن مرفوضة كأمر متجاوز للطبيعة والمادة؟ لماذا يمكننا قبول وجود مخلوقات فضائية، وإمكانية وجود تفاعلات أكبر من إطار الحس، ولا يمكننا قبول وجود مخلوقات متجاوزة للمادة أو غيبية مثل الجن أو الملائكة مثلا؟

الجواب هو الإعتقاد بإطّراد قوانين الطبيعة والمادية المطلقة، والإعتقاد بوحدة الطبيعة، وبالإستقراء، وهي فرضيات مسلّمة دون وجود دليل عقلي على مطلقيتها كما أسلفنا. ثم أن هذه الفرضيات عندما تضعها كحقائق ثم تحاكم أي أمر آخر إليها، تكون وقعت في مغالطة الدور العالم مادي ومطلق – إذا لا يوجد شيء متجاوز للمادة – إذا كل شيء غير مادي غير موجود – إذا العالم مادي”.

طبعا سيقول قائل: أن الإعتقاد بإمكانية تغير قوانين الكون وعدم مطلقيتها وتأثير ما هو محسوس، سيؤدي لأناس ثابتين في مكانهم، لا يدرون أيمشون فيثبتون على الأرض أم يطيرون، أم إن كانت ستمطر ذهبا غدا، أو ما إلى ذلك.

وهو كلام سليم في حال سيطرة الأفكار العقلية المجردة على الحياة العملية، وعدم إدراك مجال ونطاق كل مرجعية تفكير. إننا نرمي الكرة لأعلى ونحن ندرك أنها سترجع عمليا، وأننا سنثبت على الأرض ماشين بالجاذبية عمليا، وأن النار ستحرق عمليا، كل ذلك في النطاق العملي المادي، ولكن النطاق العقلي المتجاوز للحس المادي أمر آخر. إن لم يكن هناك فصل، وإن كان كل أمر غير ممكن أو مدرك حسا مستحيل بشكل مطلق، إذا لما تطور العلم ولما إكتشفنا نظريات وأجهزة وإختراعات جعلت أمورا مستحيلة عادةً فيما سبق أمرا مألوفا وممكنا وواقعا في العصر الحديث. لو كان عدم إحساسنا بشيء دليل عدم وجوده، لكان عدم رؤيتنا للبكتيريا والفيروسات دليل عدم وجودها. نحن ندرك إمكانية وجود ألوان تتجاوز ألوان الطيف السبعة، لكن حسّنا لا يمكنه تخيلها إطلاقا، وغيرها

كل نطاق تفكير له مجاله، المستحيل وغير المدرك في نطاق الحس والمادة والعادة لا يعني الإستحالة وعدم الإدراك العقلي المطلق. إدراك نطاق كل تفكير ومرجعيته ونتائجه، تمنع كلّا من الجمود الحياتي العملي، والجمود العقلي الفكري.

وعليه يكون الإعتقاد بعدم إمكانية وجود أمور متجاوزة للحس، وبمطلقية القوانين، وبعدم إمكانية حدوث المعجزات أو وجود كائنات متجاوزة لمجال المحسوس، هي في لبها إعتقادات، لا عقلانية.

التوصيات: 1

Comment سجل دخولك للتعليق

لا توجد تعليقات