بعد ستة قرون من وفاته: مسح لدماغ ليوناردو دافينشي يكشف لنا سر إبداعه

كيف كان بمقدور أكثر البشر إبداعاً على الإطلاق أن يدخل في حالة وعي مختلفة

بقلم: ماريا بوبوفا.

في أحد أيام أيلول/ سبتمبر من عام 2008 وجد ليونارد شلين نفسه في مأزق عندما لم يستطع تزرير أزرار قميصه بيده اليمنى، ذهب على إثر ذلك إلى الطوارئ ليتم تشخيصه بأنه مصاب بسرطان في الدماغ في المرحلة الرابعة، وقيل له أنه سيعيش تسعة أشهر فحسب. شلين الذي يعمل جراحاً تحت التدريب ويصف نفسه بأنه محب بالفطرة لدمج الأشياء ولديه اهتمام خاص بالتداخل الكبير بين الفن والعلم، والذي ألف الكتاب المذهل الفن والفيزياء Art and Physics، كان قد قضى الأعوام السبعة الماضية في العمل على ما يعتبره رائعته الفنية، وهي نوع من مسح تشريحي لدماغ ليوناردو دافنشي يتم بعد ستة عقود من وفاته ويتصل مع قصة بوليسية حول حياته، حيث أن الكشف عن التشريح العصبي الفريد لرجل يشتهر بكونه أحد العباقرة الأكثر إبداعا في تاريخ الإنسانية قد يكشف النقاب عن جوهر الإبداع نفسه.

أنهى شلين كتابه في الثالث من أيار/ مايو 2009، وتوفي بعد ذلك بأسبوع واحد، وقد أمضى أبناؤه الثلاثة كيمبرلي وجوردان وصانعة الأفلام تيفاني شلين السنوات الخمس التالية لوفاته وهم يعيدون الحياة لآخر ما ترك والدهم. أما النتيجة فقد كانت “دماغ ليوناردو: فهم لعبقرية دافينشي الإبداعية”، وهي رحلة تثقيفية وروحانية مذهلة في قلب الإبداع الإنساني متمثلا بدماغ شخص ذكر غير متعلم، أعسر إلا أنه قادر تقريبا على استخدام كلتا يديه، نباتي شاذ مبدع بشكل استثنائي، من دعاة السلام عاش في عصر النهضة، يفترض شلين أنه كان قادرا على استحضار حالة وعي مختلفة على خلاف “ما يستطيع باقي البشر فعله.”

steadmanleonardo17
تصور فني لرالف ستيدمان من كتاب “آي ليوناردو”

ومع الأخذ أن “الكاتب دائما ما يكرر أفكاره” بعين الاعتبار، يشير شلين إلى أن كتابه هو مزيج من كتبه الثلاثة السابقة، وقد خرج به تصديقا لمقولة كافكا الشهيرة بأن “الكتاب يجب أن يكون الفأس التي تحطم المياه المتجمدة داخلنا.” ويعد الكتاب تتويجا جميلا لفكرة أن الفن والعلم ينتميان لبعضهما البعض وأنهما كلما اجتمعا فإن كلا منهما يغني الآخر.

ولفهم تشريح دماغ ليوناردو يشير شلين، بينما يثبت مرة أخرى أنه شاعر روح العلم العظيم، أن علينا أن نفهم أدمغتنا أولا، فيقول:

“يبقى الدماغ البشري من بين آخر الحصون التي تمتنع عن الكشف عن أسرارها للطريقة التجريبية، فخلال الفترة التي وسع فيها العلماء آفاق اكتشافاتهم للفضاء، ووازنوا التكافؤ في الكيمياء، وتعرفوا على القوى في الفيزياء، بقي تتويج ذلك بالتعرف على الجنس البشري وملَكته الأكثر غموضا “الوعي البشري”، عصيا على البحوث المستمرة للنموذج العلمي.

يشكل الدماغ 2% فقط من حجم الجسم، إلا أنه يستهلك 20% من طاقة الجسم. هذا العضو الاستثنائي الهلامي ذي اللون الرمادي اللؤلؤي والذي يزن ثلاثة باوندات، يستطيع رسم الخرائط لمسافات تمتد على طول فراسخ نجمية عديدة ورصد أماكن مجرات بعيدة تقاس المسافات بيننا وبينها بكوينتليونات عديدة من السنوات الضوئية. يؤدي الدماغ هذه الخدعة السحرية من دون أن يغادر حتى تلك الجمجمة البيضوية المذهلة، حيث أنه يستطيع بواسطة شبكات من تيارات كهربائية ضعيفة القوة تمر بسرعة داخل جدرانه، أن يعيد إنشاء ديوراما مفصلة لكيفية تخيله للأرض قبل مليارات السنين، كما يمكنه إبداع شعر جميل ومؤلم يدفع القارئ للبكاء، ويمكنه أن يولد كراهية شديدة إلى درجة تدفع بعض الأشخاص العقلانيين إلى التلذذ بتعذيب الآخرين، ويمكنه أن يولد حبا عارما إلى درجة تدفع العاشقين إلى تحطيم الفوارق الفيزيائية بينهم.”

يشير شلين إلى أن ليوناردو الذي رسم لوحة الموناليزا التي ستبقى غامضة، ورسم رسومات تشريحية افتراضية قبل وقت طويل من وجود التشريح الطبي، كما رصد ملاحظات حول تحليق الطيور بشكل أكثر تفصيلا مما فعل أي عالم سابق، وأجاد الهندسة والعمارة والرياضيات وعلم النبات وعلم رسم الخرائط، وقد يعد أول عالم حقيقي في التاريخ ليسبق بذلك ماري سمرفيل، كما أنه تنبأ بقانون نيوتن الثالث وقانون بيرنولي وعناصر نظرية الفوضى، كما كان مؤلفا موسيقيا بارعا غنى “بشكل مذهل” بين عدد لا يحصى من المتخصصين في هذا الفن، هو أكثر الناس جدارة بلقب “عبقري” في كل من العلم والفن على حد سواء، حيث يقول:

“إن تمازج الفن والعلم عبر التاريخ يقدم دليلا على أن العبقرية مقسمة بشكل واضح إلى أجزاء، فنادرا ما تقاطع نهر الفن مع منحنى العلم.

بالرغم من أن كلا الفن والعلم يحتاجان درجة عالية من الإبداع، إلا أن الفرق بينهما هائل، ولكي يستطيع أولئك الحالمون تغيير سيطرة الفن يجب عليهم إحداث تقدم لا يمكن الحكم عليه إلا بواسطة نظرة تستشرف المستقبل. ومن جهة أخرى يجب على العلم لكي يكون عظيما أن يكون قادرا على التنبؤ بالمستقبل، فإذا لم يكن بإمكان نظرية عالم ما أن تتحول إلى قانون يمكن إثباته من قبل الباحثين في المستقبل، لن تكون مقبولة من ناحية علمية. وهنالك فرق آخر يتجلى في أن الفن والعلم يمثلان الفرق بين “الوجود” و “الفعل”، فالفن الناتج عن فكرة السبب وراء الوجود raison d’être “ “ يهدف إلى استثارة المشاعر، بينما يسعى العلم إلى حل المشاكل عن طريق المعرفة المتطورة.

تستمر قصة ليوناردو بحشرنا في الزاوية، وذلك أنه يمثل النموذج الأمثل والأكمل الذي نسعى نحن الأقل شأنا جاهدين للوصول إليه، وهو أن نكون ملمين بدرجة جيدة بالنواحي الثقافية والإبداعية والعاطفية. لم يتمكن أي شخص آخر من الجنس البشري على مر التاريخ من امتلاك هذه الدرجة المميزة من المعرفة في كل من العلم والفن مثلما فعل ذلك الصبي القروي غير الشرعي غير المتعلم شديد الفضول القادم من قرية فينشي.”

عمل فني من كتاب أليس ومارتين بروفينسن ثلاثي الأبعاد حول حياة ليوناردو
عمل فني من كتاب أليس ومارتين بروفينسن ثلاثي الأبعاد حول حياة ليوناردو

باستخدام معلومات ضخمة متوفرة في دفاتر ملاحظات ليوناردو ومن مصادر متعددة حول سيرته الذاتية بالإضافة إلى بعض التخمينات المتزنة، شرع شلين بإجراء “مسح دماغي تشريحي” بهدف التعرف على التوصيلات الفريدة في دماغ دافينشي والطريقة التي تفسر فيها إبداعه منقطع النظير.

كان ليوناردو منعزلا من العديد من النواحي، اجتماعيا وثقافيا وبيولوجيا، بالإضافة إلى مجالات أخرى قد تعتبر غير مهمة إلا أن لها دورا بارزا، كما يُوضح شلين، في تشكيل مناحي حياة ليوناردو المتعددة. على سبيل المثال:

“كان ليوناردو نباتيا في ثقافة لم تلق بالا لقتل الحيوانات من أجل الغذاء، وقد كان تفسيره لعدم رغبته في المشاركة في تناول اللحوم بأنه لم يرد أن يكون طرفا في إزعاج أي حيوان أو موته. أراد ليوناردو أن تمتد نعمة البقاء على قيد الحياة لتشمل كافة المخلوقات، وأظهر وجود مشاعر تربطه مع الحياة كلها، وهو ما كان نادر الوجود في زمن كان يمجد الصيد.”

كما كان الشخص الوحيد في التاريخ المسجل الذي عرف عنه أنه كان يكتب بسهولة بالعكس، وهو ما يطلق عليه اسم “الكتابة المرآتية”، الأمر الذي يوفر لنا دليلا مهما حول التوصيلات في دماغه:

“هنالك من يرغبون في قراءة مخطوطات ليوناردو ولكن عليهم أولا أن يضعوا الأوراق أمام مرآة، فبدلا من أن يكتب من اليسار إلى اليمين، وهو ما درجت جميع اللغات الأوروبية عليه، اختار ليوناردو أن يكتب من اليمين إلى اليسار، وهو ما قد يعتبره البعض منا كتابة بالعكس، كما أنه استخدم يده اليسرى في الكتابة.

ما زاد من تعقيد الأمر هو حقيقة أنه كان أحيانا يغير اتجاه الكتابة في منتصف الجمل، ليكتب بعض الكلمات باتجاه تعقبها كلمات أخرى بالاتجاه الآخر. كما أن هنالك نتيجة تشريحية مثيرة للاهتمام وهي أن الاختبارات الدقيقة لعينتين من كتاباته تظهر أنه يمكن تمييز العينة المكتوبة بالعكس من اليمين إلى اليسار على امتداد عرض الصفحة عن تلك غير المعكوسة.

إن حيل ليوناردو في أسلوب كتابته تفترض وبقوة أن نصفي دماغه كانا مرتبطان ارتباطا وثيقا بطريقة فريدة. فالنمط التقليدي بوجود نصف واحد من الدماغ يتحكم بالنصف الآخر لا يبدو أنه كان موجودا لدى دماغ ليوناردو، فبالاعتماد على ما يمكننا استنتاجه من أدمغة أشخاص يتشاركون قدرة الكتابة المرآتية مع ليوناردو، تشير الأدلة إلى وجود جسم ثفني كبير قادر على إبقاء كلا الفصين على الاطلاع بما يقوم به الفص الآخر.”

وهنالك دليل آخر على أن الجسم الثفني لدى ليوناردو (والجسم الثفني هو تلك الحزمة من الألياف التي تصل الفص الأيسر من الدماغ مع الفص الأيمن، ويتكون من أكثر من 200 مليون خلية عصبية) كان “إلى حد ما عبارة عن فائض ضخم من الخلايا العصبية المتصلة” ناتج عن مزجه الذكي وغير العادي بين الفن والعلم، إذ يشير شلين إلى أنه ما من فنان على مر التاريخ كان يعمل إلى حد الهوس على إتقان التفاصيل الهندسية العلمية للمشهد مثل ليوناردو.

قبل التبحر في التشريح العصبي لليوناردو، يشير شلين إلى أنه لأن أدمغتنا تكون محتوية على العدد الأكبر من الخلايا العصبية مع بلوغنا الشهر الثامن من العمر وبسبب توسع عملية التشذيب التي تحدث بشكل دراماتيكي في الدوائر العصبية في غضون العقود التالية، تعد هذه السنوات الأولى حاسمة في تشكيل تطور الوعي لدينا وجديرة بالاهتمام، (وقد لاحظ تولستوي ذلك بشكل جميل فكتب: “ما بين طفل في الخامسة من عمره وبيني الآن خطوة واحدة. وما بين رضيع حديث الولادة وبين طفل بالخامسة من العمر مسافة شاسعة.”)

كانت طفولة ليوناردو غير عادية ومضطربة إلى درجة يجب أخذها بعين الاعتبار أثناء دراسة تطور دماغه، فهو طفل غير شرعي لرجل غني غاو من المدينة وفتاة ريفية فقيرة من قرية توسكان الخلابة في فينشي، وقد نشأ من دون أب حقيقي، حيث رفض والده، كاتب العدل الطموح، أن يتزوج والدة ليوناردو تجنبا للإضرار بوضعه الاجتماعي. تربى الطفل ضئيل الحجم على يدي أمه العزباء في الريف، وأخيرا رتب والده زواج والدته من رجل آخر، وتزوج هو فتاة في السادسة عشر من عمرها، عندها أخذ ليوناردو من والدته وانضم إلى عائلة والده على أنه”ليس ابنه تماما” وهو ما كان غريبا وقتذاك. ولكن في النهاية وجد ليوناردو شخصية الأب في عمه فرانسيسكو الذي نشأ ليوناردو على حبه. بقي على تواصل مع والدته طول حياته وتشير الدلائل في دفاتر ملاحظاته إلى أنه على غرار آندي وارهول قام بدعوة أمه للعيش معه عندما تقدمت بالعمر.

واجه شلين مشكلتان محيرتان فيما يتعلق بنشأة ليوناردو: أولاهما هي أن علماء النفس المعاصرين أجمعوا على أن إبعاد الأطفال عن أمهاتهم يؤدي إلى خلق مشاكل حقيقية في الارتباط والقلق تصاحبهم طول حياتهم، ما يؤدي إلى نشأة بالغين منعزلين عاطفيا. وثانيهما هي أن عدم شرعية ليوناردو حدّت من فرص تعليمه بشكل كبير، حيث قامت الكنيسة، في واحدة من قراراتها العديدة التي تدل على افتقار شديد للرحمة التي تعظ بها، بفرض قانون يحظر تدريس الأطفال المولودين لوالدين غير متزوجين في مدارسها الكاتدرائية. يقول شلين:

“بغض النظر عن البديل التعجيزي باهظ الثمن وهو الاستعانة بمدرسين خصوصيين، كان القبول في إحدى هذه المدارس الطريقة الوحيدة لتعلم الشيفرة السرية التي تفتح أبواب الفرص.”

كانت تلك الشيفرة السرية هي المعارف اللاتينية والإغريقية التي كان من المستحيل عمليا من دونها المشاركة في صنع النهضة، وبالرغم من ذلك فقد رد ليوناردو على أولئك الذين نبذوا أعماله بسبب قلة تعليمه ردا قاسيا:

“سيقولون أنه بسبب ضعف قراءتي للكتب فإنني لا أستطيع التعبير تماما عما أريد التحدث عنه. فهل هم يجهلون أن المواضيع التي أعنى بها تتطلب إظهار خبرتهم أكثر مما تتطلب حفظ كلمات الآخرين؟ فالخبرة هي سيدة الموقف وأنا أسعى إليها بكافة الطرق.”

يكتب شلين:

“الإبداع هو مزيج من الشجاعة والابتكار، ووجود أحدهما دون الآخر سيكون غير ذي فائدة”.

إذا فكيف جمع ليوناردو بين الشجاعة والابتكار ليحول البطاقات الخاسرة التي كان يمتلكها إلى مجموعة من الأوراق الرابحة التي جعلته أعظم العباقرة في التاريخ؟

يشير شلين إلى أنه بينما يمكننا تخمين حجم الأعمال المهمة التي قام بها ليوناردو والتي كانت قادرة على إكسابه احترام وإمكانيات واعتراف “من يمتلك دما نبيلا ومنصبا مهما في جامعة وأصدقاء مهمين يشغلون مناصب عليا”، كان هنالك عامل مضاد أكثر قوة، وهو عامل يستحضر أفكار نيتشه حول أهمية المصاعب، وتبين حجم المنافع الذي لا يمكن قياسه لما أطلق عليه أورسون ويليس اسم “نعمة الجهل”، أو ما يتعارف عليه باسم “عقل المبتدئ”، يقول شلين:

“يمكن كذلك إثارة نقاش قوي ذي رأي مخالف يفيد بأن ضعف غرس الأفكار في العقائد المسيطرة والتي كانت تدرّس حينها في تلك المؤسسات هي التي حررته من القيود على فكره، إذ أنه بفضل عدم إعاقته بتراكمات من المفاهيم الخاطئة التي أثرت سلبا على وجهة نظر المثقفين، كان بإمكان ليوناردو أن يطرح أسئلة مهمة ويبحث عن إجابات شافية. وبالرغم من أنه لم يكن بمقدوره الاقتباس من كتب تعلم منها إلا أنه وعد قائلا: “سأقتبس اقتباسا أعظم وأكثر قيمة بكثير: الخبرة، هي سيدة السادة.” كان ليوناردو يزدري “أبواق ومرتلي أعمال الآخرين”، كما حاول العيش وفق الحكمة التي ابتكرها والتي تقول: “حقيقة صغيرة أفضل من كذبة كبيرة”. كان يصف نفسه بـ omo sanza lettere أي “الرجل الأميوذلك أنه لم يتلق أي تعليم في أي نوع من الفنون المتحررة يؤهله للدراسة في الجامعة. كما أنه في وقت ما عندما كان في أواخر الثلاثينيات وأول الأربعينيات من عمره بذل جهودا كبيرة في تعلم اللغة اللاتينية، حيث تظهر قوائم طويلة من المفردات في دفاتر ملاحظاته، ولعل أي أحد حاول تعلم لغة أجنبية في مرحلة ما بعد البلوغ يعلم مدى صعوبة الأمر.”

إن ما يدعو إلى التفاؤل في قضية افتقاره للتعليم الرسمي والرعاية من والديه هو أنه لم يقم أحد بتقويم استخدامه ليديه اليسرى وهو ما جرت عليه العادة أثناء العصور والوسطى وعصور النهضة، الأمر الذي تحول إلى نقطة مهمة في تحليل عبقريته.

steadmanleonardo1533333333333333333
تصور فني بريشة رالف ستيدمان من كتابه “آي، ليوناردو”

ولكن عيوب ليوناردو الاجتماعية لم تنته عند التعليم، فبالعودة إلى الأدلة من دفاتر ملاحظاته والروايات عن حياته الخاصة والمذكورة من قبل مجموعة من معاصريه، فقد كان تقريبا شاذا، وقد كان ذلك في وقت لم يعتبر فيه الشذوذ جريمة فحسب بل “خطيئة” يحكم على مرتكبها بالموت. وحتى في طريقة انتقائه لملابسه وفي سلوكه، كان ليوناردو يبدو وكأنه والت وايتمان عصره، بمعنى أنه كان ذلك الشخص المتفرد في أناقته الذي وضع في مظهر مبهرج. يقتبس شلين عن أنونيمو غاديانو وهو أحد معاصري ليوناردو:

“ارتدى سترة وردية اللون وبنطالا قصيرا إلى الركبة بالرغم من أن الثياب الطويلة كانت الموضة الرائجة وقتها. كما كانت لديه لحية أنيقة مجعدة تمت العناية بها بشكل جيد تصل إلى منتصف صدره.”

كان ليوناردو كذلك غير تقليدي في تعاطفه مع الحيوانات وفي موقفه الفلسفي من تناول لحومها، وهو ما يعد خروجا تاما عن المألوف في حقبة كانت تؤكل فيها اللحوم حتى أن الفقير عندما كان يشتهى اللحوم كان يضع له الغني مأدبه من اللحوم ليظهر بذلك مدى ثروته وقوته. إلا أن ليوناردو بدلا من ذلك كان من المعروف عنه أنه كان يشتري العصافير المحبوسة في أقفاص كلما رآها في متاجر المدينة ليطلقها حرة بعد ذلك.

ولكن المصدر الأهم لاستثنائية ليوناردو يعود لكونه أعسرا، فقد يبقى موضوع استخدام اليد اليسرى لغزا تطوريا، ولكنه يبقى رمزا دائما لقوة الغريزة. وبالنسبة لليوناردو فقد كان كلا الجانبين الجسدي والغريزي لديه مرتبطان بشكل معقد، يقول شلين:

“تنبأ ليوناردو بحدسه بأن وجه الإنسان بالرغم من كونه يبدو متطابقا إلا أنه في الواقع ينقسم إلى شطرين مختلفين اختلافا طفيفا. وذلك بسبب التقاطع في الخلايا العصبية الحسية والحركية في كلا جهتي الوجه داخل الدماغ، فالجانب الأيسر يتحكم بعضلات الجهة اليمنى من الوجه بينما يتحكم الجانب الأيمن بعضلات الجهة اليسرى. معظم الناس يستخدمون الجهة اليسرى من أدمغتهم أي أنهم يستخدمون اليد اليمنى، ما يعني أن الجهة اليمنى من وجوههم تكون خاضعة لتحكم واع أفضل من الجهة اليسرى. وفي مقابل ذلك، يتصل الجانب الأيسر من الوجه مع الفص الأيمن العاطفي من الدماغ، وهو ما يظهر مشاعر الشخص أكثر، ولذلك يواجه الأشخاص الذين يستخدمون يدهم اليمنى صعوبة أكبر في محاولة ضبط ردود أفعالهم العاطفية في الجهة اليسرى من وجوههم.

في تجربة حديثة في علم النفس اقتيدت مجموعة من طلاب الجامعة إلى أستوديو تصوير من دون إخبارهم بهدف التجربة وتم إدخالهم إلى الأستوديو كل واحد على حدة ثم تم إخبارهم بأن عليهم أخذ وضعية لتلتقط لهم صورة تقدم إلى أفراد من عائلاتهم. كانت النتيجة أن معظم من كانوا يستخدمون يدهم اليمنى أخذوا عفويا وضعية تظهر الجهة اليسرى من وجهوهم أمام الكاميرا، وكان جميعهم يبتسمون.

بعدها استدعى الباحثون المجموعة مرة أخرى وأخبروهم أن عليهم الآن أخذ وضعية تصوير لصورة ستستخدم في التقدم لوظيفة، في هذه الحالة تصرف الطلاب بطريقة أكثر احترافا، حيث أظهر الطلاب الذين يستخدمون يدهم اليمنى الجهة اليمنى من وجوههم بشكل أكثر ثقة. تشير نتائج هذه التجربة جنبا إلى جنب مع نتائج تجارب مشابهة أخرى بقوة إلى أن معظم الناس يدركون تلقائيا أن إظهار الجانب الأيمن من وجوههم للعالم الخارجي أفضل، كما أنهم يدركون بشكل لا شعوري أن الجانب الأيسر من وجوههم يقدم انعكاسا طبيعيا لشخصياتهم.

أدرك ليوناردو هذه التفاصيل الصغيرة في تعابير الوجه، وقد حصلت الموناليزا على هذا التقدير بسبب إبراز الجانب الأيسر من وجهها.

ومن أعظم ابتكارات ليوناردو الفنية إدخاله يدي الشخصية التي يرسمها ضمن رسومه التصويرية، إذ أن الرسوم التصويرية كانت إلى ذلك الوقت مقتصرة على إظهار الجزء العلوي من الصدر والرأس، ولكن ليوناردو رأى في تعابير اليدين مدخلا إلى الحالة الذهنية للشخصية، فتضمين الحالة النفسية في الرسم التصويري ألغى فصل الحالة الذهنية عن الجسد وأدى إلى رسم الوعي الذاتي نفسه.

وهذا يأخذنا مجددا لدماغ ليوناردو نفسه، حيث تتعلق النقطة الأساسية لدى شلين بفصل الدماغ إلى فصين ذوي وظيفتين مختلفتين، وهو تطور في الدماغ جعلنا نتقدم كافة المخلوقات الأخرى بالقدرات العقلية التي نمتلكها والتي يعود لها الفضل بامتلاك ليوناردو عبقريته الفريدة تلك. يوضح لنا شلين الأمر بعد دراسة نتائج دراسات لمرضى يعانون من حالة انفصال الدماغ قائلا:

“تحتوي الوظيفة الأسمى للفص الأيسر من الدماغ، وهي التفكير الناقد، في جوهرها على مجموعة من المعادلات القياسية التي تدعم المنطق، فمن أجل الوصول إلى الإجابة الصحيحة، يجب إتباع القوانين من دون أي انحراف عنها. وكذلك يعتمد الفص الأيسر من الدماغ على القوانين التي أطلق عليها جوزيف بوغن، وهو جراح أعصاب قام بإجراء العديد من العمليات الجراحية تعد الأولى بهدف فصل أدمغة المرضى، أطلق عليها اسم “الدماغ المنطقي”: حيث يعالج المعلومات بناء على مجموعة متضمنة من الافتراضات. وفي المقابل فقد أطلق على الفص الأيمن اسم “الدماغ التراكمي” وذلك لأنه يقوم بالعكس تماما، حيث أنه يعالج المعلومات بواسطة طرق غير خطية وغير مبنية على قواعد، عن طريق دمج محددات متباينة متقاربة في فكرة واحدة متجانسة. هذا وقد اتفق علماء الأعصاب على تقسيم بوغين للدماغ إلى نوعين مختلفين، دماغ منطقي وآخر تراكمي وذلك يظهر غالبا في المنهج العصبي المعرفي.

إلا أن مشاركة الفص الأيمن في عملية الإبداع ليست مشاركة مطلقة، وذلك أن الفص الأيسر دائما ما يبحث عن تفسيرات للأحداث غير الواضحة، ولسوء الحظ فبالرغم من كون العديد من الأشخاص مبدعين، إلا أنه من دون المدخلات من الفص الأيمن من أدمغتهم سيكونون على الأغلب مخطئين، إذ يبدو أنه ما من ظاهرة لا يمتلك الفص الأيسر لها تفسيرا، وتنحصر هذه الخاصية في الفص الأيسر الخاص باللغة.

leonardo_provensen6
عمل فني من كتاب أليس ومارتين بروفينسين ثلاثي الأبعاد حول حياة ليوناردو

يؤكد شلين على ما شددت عليه هانا أريندت بأن القدرة على طرح “أسئلة لا يمكن الإجابة عليها” هي السمة التي تميز الدماغ البشري، وعلى مقولة إف سكوت فيتزجيرالد الشهيرة بأن “اختبار الذكاء من الدرجة الأولى يكمن في القدرة على حمل فكرتين متناقضتين في الدماغ في الوقت ذاته مع استمرار القدرة على العمل،” فيصف كيف أن هذا التفاعل يسلط الضوء على العملية الإبداعية قائلا:

“الخطوة الأولى في العملية الإبداعية في حدث أو أمر غير محدد أو نمط غير معتاد أو مقاربة غريبة تكمن في تنبيه الفص الأيمن من الدماغ. ففي عملية غامضة لا زالت غير مفهومة على نحو جيد يتم تحفيز الفص الأيسر من الدماغ على طرح سؤال ما، وطرح السؤال المناسب يؤدي إلى الوصول إلى جوهر الإبداع، فطرح الأسئلة هو الجزء الأهم لدى الجنس البشري، فبالرغم من التنوع المذهل في طرق التواصل لدى الحيوانات، هنالك جنس واحد فقط يستطيع طرح الأسئلة، والأعجب من ذلك أنه يستطيع مناقشة الإجابات. ولكن الطبيعة الأم لم تهبنا اللغة لطرح الأسئلة فقط بتلك البساطة، بل أنها وهبتنا إضافة مهمة من شأنها أن تتحرى هذه الأسئلة، وهذه الإضافة هي الإبهام المعاكس. فللإبهام الكثير من الأمور المدفوعة بالفضول ليفعلها، والفضول يؤدي بدوره إلى الإبداع.”

بالاعتماد على البحث السابق حول المراحل الأربع للعملية الإبداعية، يوجز شلين دور فصي الدماغ الذين بالرغم من عملهما بانسجام معظم الوقت إلا أنهما خاضعان لسيطرة الفص الأيسر، فيقول:

“منح الانتخاب الطبيعي الفص الأيسر من الدماغ السيطرة على الفص الأيمن، إلا أنه وفي ظروف محددة يتوجب على الفص الدماغي الأضعف أن يتفلت من سيطرة الفص الأقوى من أجل إنتاج أكثر إسهاماته استثنائية، ألا وهو الإبداع. ولكي يظهر الإبداع نفسه يجب على الفص الأيمن من الدماغ أن يحرر نفسه من السطوة الحديدية للفص الأيسر الذي يعوقه، لكي يعمل عمله من دون أي إعاقة وبخصوصية تامة، وذلك كما لو كان الراديكاليون يخططون لثورة، فسيتوجب عليهم العمل بالسر بعيدا عن عيون المحافظين الذين يمثلون الفص الأيسر من الدماغ.

بعد حل العديد من الأمور في الظلام في العمليات الداخلية في الفص الأيمن من الدماغ، تخرج الفكرة أو المعزوفة أو اللوحة أو النظرية أو المعادلة أو المجاز الشعري مندفعة إلى النور، وذلك كما لو أنها تندفع خارجة من تحت غطاء يغطي اللاوعي من أجل جذب اهتمام الفص الأيسر من الدماغ، عندها يرد الفص الآخر من الدماغ وهو مبغوت وقد أخذته الدهشة.”

يشير شلين إلى أنه بمجرد ظهور إشارة إبداعية في الفص الأيمن من الدماغ فإنها تنتقل إلى الفص الأيسر من الدماغ بواسطة الجسم الثفني العظيم، والذي يعد أكبر البنى وأكثرها استعصاء على الفهم في الدماغ البشري، عدا عن كونه المفتاح الأساسي للوصول إلى حل لغز إبداع ليوناردو الاستثنائي في الوصول إلى هدفين أساسيين في حياته هما: دراسة الظواهر الطبيعية والوصول إلى حقيقتها، وإيصال تلك الحقيقة عن طريق أعمال فنية مذهلة.

steadmanleonardo1444444444444444444444444
تصور فني بريشة رالف ستيدمان من كتاب “آي ليوناردو”

ولكن القضية الأكثر إثارة للاهتمام فيما يتعلق بدماغ ليوناردو تتصل بالجسم الثفني وعلاقته بجنس صاحب الدماغ. فنحن نعلم مسبقا أن “الشذوذ النفسي” أمر أساسي في الإبداع، وهكذا يتضح لنا أن للجسم الثفني دورا رئيسا في ذلك، يبقى أن يشير شلين إلى أن هنالك اختلافات في حجم الحزمة الأساسية من الألياف بين الذكور الذين يميلون للجنس الآخر ويعتمدون على يدهم اليمنى والذين يطلق عليهم اختصارا الاسم RHHM وبين جميع المنتمين للمجموعات الأخرى التي تتباين سواء من ناحية جهة استخدام اليد أو الجنس أو الميول الجنسية، مثل الذكور الذين يميلون للجنس الآخر ويعتمدون على اليد اليسرى، والنساء اللواتي يملن للجنس الآخر سواء كن يستخدمن اليد اليمنى أو اليسرى، والرجال والنساء اللذين يميلون إلى نفس جنسهم.

إن فكرة الدماغ حسب جنس صاحبه تسبب إشكاليات بالتأكيد، كما أن جميع التعميمات الإحصائية المنتشرة تنزع إلى ظهورها بمنحنيات ناقوسية الشكل مع إظهار القيم الشاذة على كلا الجانبين، إلا أنه ومع ذلك يواصل شلين طرح بعض نتائجه المذهلة قائلا:

“أكثر الأدمغة ثنائية، أي التي يكون فيها كلا الفصين بنفس الدرجة من التميز، يمتلكها ذكر يستخدم اليد اليسرى ويميل للجنس الآخر، حيث أن 97% من أدوات اللغة الأساسية لديه تتواجد في الفص الأيسر من دماغه، ما يجعله بشكل واضح الفص المسيطر، وهذا الانحراف الكبير لا يتواجد بنفس الدرجة لدى النساء سواء كن يستخدمن اليد اليمنى أو اليسرى، ولا لدى الشواذ والشاذات، ولا لدى من يستخدمون اليد اليسرى من كلا الجنسين.

أما الإناث، سواء كن يعتمدن على اليد اليمنى أو اليسرى، فلديهن فارق أكبر بين فصي الدماغ فيما يتعلق باللغة والسيطرة على الدماغ، إلا أن النساء ممن يعتمدن على اليد اليمنى تبقى الأغلبية العظمى من أدواة اللغة لديهن في الفص الأيسر من أدمغتهن، إلا أنه حيث أن الذكور الذين يعتمدون على اليد اليمنى والذين يميلون للجنس الآخر تتركز على الأغلب 97% من مهاراتهم اللغوية في الفص الأيسر من أدمغتهم، من المرجح أن تقل هذه النسبة لدى النساء (إلى 80% تقريبا)، بينما تتبقى نسبة 20% لتتركز في الفص الأيمن من الدماغ.”

يورد شلين نتائج اختبار بالرنين المغناطيسي لساندرا وايتلسن تتوصل فيه إلى أن الصوار الأمامي، وهو مجموعة الألياف الأكبر في الجسم الثفني والتي تظهر جلية عند التشريح، يمكن أن يكون أكبر بنسبة 30% لدى النساء مما هو لدى الرجال، كما توصلت دراسات أخرى إلى أنه أكبر بنسبة 15% لدى الرجال الشواذ مما هو لدى الرجال المستقيمين. وبجمع النتائج مع بعضها البعض، فإن هذان الاكتشافات المتعلقان بالجسم الثفني، أي أن الذكور ممن يعتمدون على اليد اليمنى ويميلون للجنس الآخر يمتلكون أدمغة أكثر تخصصا وقنوات اتصال أقل سماكة تربط بين فصي أدمغتهم، تكشف عن استنتاج يتعلق بدماغ ليوناردو متعدد المواهب، والذي دمج بشكل رائع التفكير الناقد النمطي لدى الفص الأيسر من الدماغ مع القدرات واسعة الإبداع والابتكار لدى الفص الأيمن.

هنالك دلائل من دفاتر ملاحظات ليوناردو ومن سيرة حياته تدعم بقوة فرضية أنه كان ممن يطلق عليهم العلماء الاختصار ESSP، أي شخص له ميول نحو الأشخاص من جنسه، فهو لم يتزوج مطلقا ولم ينجب أطفالا، كما أنه نادرا ما كان يذكر النساء في كتاباته وكلما فعل كان ذلك في سياق تحليل سر الجمال، ناهيك عن أنه تم سجنه مرة لممارسته الشذوذ وقد قضى بعض الوقت في السجن أثناء انتظاره النطق بالحكم، وأخيرا فإن رسوماته التشريحية للجهاز التناسلي لدى المرأة وأعضائها التناسلية تحتوي على خلل كبير في دقتها وذلك إذا قارناها برسوماته الطبية الأخرى ذات الدقة الكبيرة. يعد كل ذلك مهما لأن الأشخاص الذين لهم ميول نحو أشخاص من جنسهم لا يتكيفون مع نموذج الدماغ التقليدي الذي يمتلكه الذكور ممن يعتمدون على اليد اليمنى والذين لهم ميول للجنس الآخر، إذ أنهم عادة ما يكونون عسرا مثلما كان ليوناردو.

يشير شلين في الواقع إلى أن الأشخاص الذين يعتمدون على اليد اليسرى يمتلكون على الأغلب جسما ثفنيا أكبر من أولئك الذين يعتمدون على اليد اليمنى، وأن الفنانين عادة ما يكونون عسرا على الأرجح، حيث تشكل نسبة من يعتمدون على اليد اليسرى 9% من إجمالي السكان، كما أن ما نسبته 30-40% من الطلاب في مدارس الفنون يعتمدون على اليد اليسرى.

وكونه أعسر ولديه ميول جنسية لأشخاص من نفس جنسه، فقد كان ليوناردو على الأرجح يمتلك جسما ثفنيا أكبر، ولكن شلين يستخدم قوة الاستعارات في تحفيز الخيال سعيا وراء دليل إضافي يلقي الضوء على التواصل بين فصي دماغ ليوناردو إذ يقول:

“كان شكل اللغة التي يستخدمها ليوناردو مليئا بالاستعارات، حيث أنه طرح ألغازا وضمن الاستعارات في رسوماته، ولكي يحصل هذا يجب أن تكون ألياف الجسم الثفني لديه، والتي تصل الفص الأيمن من دماغه بالأيسر، كبيرة. تعد اللغة المبنية على الاستعارات، مثل الشعر، إحدى وظائف الفص الأيمن من الدماغ مع أن الفص الأيسر هو المسؤول عن وظيفة اللغة بالأساس، ولإنجاز مهمة إنشاء قصيدة يتطلب الأمر وجود صلة كبيرة بين أجزاء الفص الأيمن، كما يتطلب الأمر وجود العديد من الصلات بين فصي الدماغ. يجب على هذه الألياف أن تلتحم بقوة مع مراكز اللغة في الفص الأيسر لكي يكون التعبير عن الاستعارات الشعرية ممكنا في اللغة، وقد استخدم ليوناردو الاستعارات في كتاباته بشكل مكثف، وهو ما يعد دليلا آخر على ارتباط فصي دماغه.

تكمن فكرة شلين بالتالي: إن مصدر الإبداع الاستثنائي الذي كان يمتلكه ليوناردو يكمن في قدرته على الدخول في طرق تفكير مختلفة ما يمكنه من رؤية الروابط بين كل شيء بشكل أوضح، ومن ثم الوصول إلى حالة من الوعي تختلف عن حالة الوعي التي نشعر بها نحن، يقول شلين:

“إن ميوله الجنسية لأفراد من جنسه تضعه في مكان ما بين الذكورة والأنوثة، كما أن كلا من كونه أعسر وقدرته على الكتابة بكلتا يديه وقدرته على الكتابة المرآتية تعد جميعها دلائل على امتلاكه دماغا لا يسيطر فيه أي فص على الآخر. وتأييده لكون المرء نباتيا في وقت كان الجميع يأكلون فيه اللحوم يجعلنا نفترض أنه ينظر للعالم نظرة شمولية، وتساوي فصي دماغه أسهم في إنتاج منجزاته في الفنون والعلم بشكل لا يضاهيه أي إنسان آخر على مر التاريخ، والتوصيلات الفريدة في دماغه أتاحت له المجال كذلك لأن يكتشف العالم من مكان مشرف ذي أبعاد أعلى، والسحر الذي لا يمكن تفسيره في كل من أعماله الفنية والعلمية على حد سواء لا يمكن استيعابه إلا إذا ما رجعنا خطوة للخلف وتساءلنا: هل هو يمتلك قدرات عقلية تختلف عن قدراتنا العقلية فقط بدرجتها، أم أنه اختبر شكلا من أشكال الوعي الذي يختلف بالكم عما نمتلكه نحن؟

أرى أن العديد من نجاحات ليوناردو (ومواطن فشله) كانت نتيجة لقدرته على الوصول إلى حالة وعي أعلى.

كان ليوناردو قادرا بشكل ملحوظ على تخيل الزمان والمكان بطريقة تختلف عما نفعل نحن، وهو أمر مثبت في كل من دراساته الفنية والعلمية على حد سواء، من الثورة التي أحدثها في نظرة الفن، إلى استباقه التنبؤ بقانون الفعل ورد الفعل الشهير لنيوتن قبل قرنين من اكتشافه حيث كتب: “أنظر إلى الأجنحة وهي تضرب الهواء، فتبقي النسر الثقيل في الهواء الرقيق محلقا. بحجم القوة التي يبذلها الجسم في مقاومة الهواء يكون حجم القوة التي يبذلها الهواء لمقاومة الجسم.” وهنا يطرح شلين السؤال الذي كان دائما قائما:

“عندما نتأمل دماغ ليوناردو يجب أن نطرح هذا السؤال: هل من الممكن أن يمثل دماغه قفزة نحو الإنسان المستقبلي؟ هل نحن أجناس تمضي قدما نحو تقبل فكرة الزمكان وانعدام المكان؟

steadmanleonardo305555555555555555555
تصور فني بواسطة رالف ستيدمان من كتاب “آي ليوناردو”

مع أخذ اختلافات ليوناردو الشديدة بعين الاعتبار، مثل مناهضته للعنف في حقبة زمنية كانت تمجد الحرب، وإصراره على استخدام يده اليسرى بالرغم من الجهود المستمرة في ذلك الوقت لتدريب الأطفال على ترك تلك الخصلة الشيطانية، وكونه نباتيا ذا نظرة شمولية للطبيعة في خضم ثقافة تعتمد على اللحوم في غذائها، يعبر شلين عن تفاؤله فيما يخص تطور جنسنا البشري قائلا:

“يبدو أن مجموعة جينات ليوناردو تمنحنا الأمل، فقد عاش في زمن كانت الحروب فيه مقبولة، إلا أنه وفي حياته رفض الحرب وركز على البحث عن الحقيقة والجمال، كان يؤمن بأنه جزء من الطبيعة وأراد فهمها وإضفاء الألوان إليها لا السيطرة عليها.

إننا نحن البشر خاضعون لعملية تغيير عميقة نتحول فيها لأجناس جديدة كليا، وأقول لأولئك الذين يشككون في حدوث ذلك، تذكروا أنه وعلى مدى الملايين من السنين سافرت الكلاب في مجموعات كونها كانت مفترسات شرسة، وقد كانت غريزة القتل لديها بادية. بعدها تدخل البشر قبل ستة آلاف عام فقط بشكل غير طبيعي بالجين الكلبي. لم يكن لأي كلب قبل التاريخ أن يتنبأ بأن ذلك الكائن الضخم المزمجر المخلص للقطيع قد يتطور إلى كلب تشيواوا يعيش منفردا أو كلب بودل يمكن حمله بالأحضان.”

رابط النص الأصلي

التوصيات: 1

Comment سجل دخولك للتعليق

لا توجد تعليقات