المقدّس والمدنّس

ما هو المقدس؟

أول من قسم المعتقدات الدينية وصنفها جميعها إلى قسمي المقدس والمدنس هو إميل دوركهايم. من وجهة نظر غربية، لا يشمل المقدس فقط المعتقدات الدينية المرتبطة بإله شخصي في السماء، حيث يتسع المفهوم ليشمل أي معتقد اجتماعي أو مكان أو زمان أو حيوان أو أي شيء تنسب له قوة ومكانة عاليتين بالمقارنة مع كل ما هو مدنس أو دنيوي، وخصوصاً الإنسان. بطريقة أخرى المقدس هو أي شيء يتم عزله ويحاط بالعديد من أنواع التحريم، وهو ضد المدنس أو الدنيوي.

من وجهة نظر مختلفة كالهندوسية، ليس من الضرورة أن يكون المدنس والمقدس متضادين، بل من الممكن أن يكونا مترابطين. حيث أن المقدس بالنسبة لجماعة ما يمكن أن يكون مدنساً لغيرها.

و هناك أيضاً من يربط المقدس بالطهارة والمدنس بالنجاسة. بدأ هذا المفهوم مع بدء الطوطمية، حيث أراد أفراد قبيلة الطوطم أن يحموه من كل ما هو نجس فقاموا بعزله عن العموم وجعلوا شخصاً معيناً (في العادة رجلاً) مسؤولاً عن إبقاء هذا الطوطم نظيفاً. و في نهاية المطاف اكتسب هذا الطوطم والمسؤول عنه صفة القداسة.

خواص المقدس:

  1. بالرجوع إلى دوركهايم، نرى أنه لا يكفي أن يمتلك الشيء أو الشخص مكانة عالية كي يتصف بالمقدس، فمكانة العبد في النظم الاجتماعية التي مارست العبودية أقل من مكانة سيده ولكن ذلك لا يجعل السيد مقدساً. كما أن الإنسان لا يتصف دائماً بالدونية أمام آلهته، ففي بعض الأحيان قد يضر الإنسان إلهه أو مجسم هذا الإله إن لم يحقق للإنسان مطالبه. * مثال على النقطة الأولى: إذا اعتقد الإنسان بأن إله المطر يسكن أسفل بحيرة مقدسة فإنه قد يرمي حجارة في هذه البحيرة لإجبار الإله على إنزال المطر.

  1. باستطاعتنا أن نعرف المقدس تعريفاً أوضح و أشمل بعيداً عن المكانة والقوة. المقدس ببساطة هو كل ما بينه وبين المدنس أو الدنيوي عدم تجانس مطلق.
  2. يوضع كل من المقدس والدنيوي في مكانين مختلفين في هذا الكون، فالمقدس يحتل مكاناً مثالياً فائقاً للطبيعة، أما الدنيوي فهو عكس ذلك ونجده بحوزة أي كان.
  1. لا يجوز أن يلمس المدنس المقدس، فذلك كفيل بتدمير المدنس. كذلك لا يمكن أن يختلط الاثنين من دون أن يؤثر ذلك على طبيعتيهما، حيث أن هذا الاختلاط كفيل بنزع الأهمية عن المقدس.
  1. يمكن لأي شيء أن ينتقل من حالة الدناسة إلى القداسة إذا توفرت الشروط والظروف الملائمة والمناسبة، والعكس صحيح.
  1. يمكن للمقدس أن يكون مكاناً كأماكن العبادة، أو زماناً كالأعياد، أو إنساناً كالكهنة و القديسين ورؤساء الدول عند البعض، أو حيواناً أو نباتاً أو عنصر من عناصر الطبيعة ممكن تمثيلها بالطواطم القبلية المختلفة. كما من المعقول أن يكون المقدس عبارة عن عادات اجتماعية من المحرم الخروج عنها، أو كتب كالكتب المقدسة، وغير ذلك مما يضفي عليه البشر قيمة نوعية خاصة.

P28-01-N25523-640_458340_large

ما هو الدين؟

هناك موانع ومحرمات معينة تطبق على الدنيوي بهدف عزل المقدس وحمايته. ومن المهم هنا أن نميز الفرق بين المعتقدات والطقوس. المعتقدات هي التي تعبر عن طبيعة المقدس ومكانته وطبيعة العلاقة بين الأشياء المقدسة مع بعضها ومع الأشياء الدنيوية. أما الطقوس فهي قواعد السلوك التي تفرض علينا كيفية التصرف أثناء وجودنا في حضرة المقدس، كما أنها مسؤولة عن تحويل طبيعة كل من المقدس والدنيوي بتواجد ظروف معينة وحسب حاجة كل مجتمع. مثال على هذه النقطة التكفير الذي يخرج الشخص المعين من دائرة الطهارة ويعيده ضمن نطاق الدنيوي، أو التقديس الذي يفعل العكس تماماً.

ومن هنا يصل دوركهايم إلى تعريف الدين فيقول بأن مجموع الأشياء المقدسة تشكل مركزاً تجتمع حوله مجموعة من الشعائر والمعتقدات مكونة بذلك الدين. إذا الدين مكون من جزيئات متعددة وعدد من الأشياء المقدسة تنسب إليه مهما حاول أن يزعم التوحيد.

من الجدير بالذكر أن الجماعات الباطنية المتصوفة في جميع الأديان تتمحور حول الترك الكلي لكل ما هو مدنس والتمحور حول المقدس، وبهذا ينتج ما يسمى الانتحار الديني، حيث أن الطريقة الوحيدة للتخلي عن المدنس هي التخلي عن الحياة المادية كلها. بهذه الطريقة لا يبتعد الإنسان فقط عن الدنيوي ولكنه يقترب كثيراً من المقدس حتى يصبح مساوياً أو منافساً للآلهة.

المحلل والمحرّم:

التحريمات هي الطقوس والشعائر التي تحدد علاقة المقدس بالمقدس و المقدس بالدنيوي، و إذا تم المساس بالمحرم أو اختراقه فذلك يقود إلى الفوضى وخراب المجتمعات، أو مرض الإنسان سواء مرضاً جسدياً أو أخلاقياً وأيضاً وفاته. إذاً وجود المحرم يمنع اختلال العالم وينظم الحياة على أكمل وجه. أما المحلل ففعله لا يقود بالإنسان إلى أي معصية ولا يؤدي إلى إخلال وخراب العالم. كذلك المجال الدنيوي فهو المجال الشائع والمألوف كما يطلق عليه روجيه كايوا في كتابه الإنسان والمقدس، حيث يتضمن مجالات لا يجب الحذر منها ويترك للإنسان حرية التصرف فيها مهما كانت هذه الحرية ضيقة.

ثنائية المقدس والمدنس:

كما ذكر سابقاً فإن الشيء الوحيد الذي يجمع بين المدنس و المقدس هي حالة من عدم التجانس المطلق. على مر العصور صنف الإنسان المقدس و المدنس في مجموعتين مختلفتين و منفصلتين تماماً، و نحن نعرف أنه من الصعب على أي ضدين أن ينفصلا عن بعضهما بهذه الطريقة. يطرح دوركهايم مثالاً على ذلك في الصحة و المرض، هما ضدين ولكنهما في النهاية يمثلان الحياة. أما المقدس و المدنس فلا يوجد لهما قاعدة مشتركة أو يمكن القول أنهما ليسا وجهان لشيء واحد، و لهذا السبب تم وضع كل منهما في مكان مختلف عن الآخر في الكون كما وضحنا سابقاً، و تم عزلهما عن بعضهما البعض.

ثنائية الخير والشر:

يجب أن نميز بين ثنائية الخير والشر وثنائية المقدس والمدنس. أولاً ليس كل ما هو مقدس جيد وليس كل ما هو مدنس شرير بالضرورة كما سنوضح قريباً. ثانياً فإن الخير والشر لا ينفصلان عن بعض كما في المقدس والمدنس، فهما شكلان لشيء واحد ألا وهو الأخلاق (أو المدنس)، حيث نجد لدينا أخلاق حسنة وأخلاق قبيحة أو شريرة. إذاً الخير والشر يشكلان وجهان مختلفان لشيء واحد وهو المدنس.

ازدواجية المقدس – الطهارة والنجاسة:

نلاحظ في كثير من الأديان انتشار مفهومي الطاهر والنجس، وهما يخصان المقدس تماماً كما أن الخير والشر يخصان المدنس أو الدنيوي. أكد روبرتسون سميث على ضبابية مفهوم القداسة. يوجد هناك نوعين من القوى أو الكائنات الدينية، إحداها نافع للإنسان و المجتمع يدر على الإنسان الصحة والعيش والحياة الكريمة، كما يحميه من الحيوانات المفترسة والمصائب الطبيعية وغير ذلك. أما النوع الثاني للمقدس فهو النوع النجس أو الشرير، يسبب الفوضى على الأرض ويخل بالنظم الإنسانية المختلفة. يخاف المتدين من المقدس النجس أو الشرير بينما يشعر بالثقة الكاملة اتجاه المقدس الطاهر.

لا يختلف المقدس الطاهر عن المقدس النجس من حيث الفصل والاعتزال عن الدنيوي، فكلاهما محرمان أو ممنوعان بالرغم من اختلاف مشاعر الإنسان نحوهما (الاحترام للأول والاشمئزاز من الثاني). كذلك لا يجب أن يحصل أي تلامس بين نوعي المقدس وهذا ما تحدد كيفيته الطقوس. كما أنه من الممكن أن ينتقل المقدس من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة أو بالعكس حسب حاجات المجتمعات.

إذا نستنتج أن الطاهر والنجس وجهان لشيء واحد ألا وهو المقدس ويوجد بينهما انفصال تام مثل ذلك الذي يتسم به المقدس والدنيوي. بالنسبة للخطورة والحذر فإن تأثير المقدس النجس يكون مثل تأثير الدنيوي على المقدس الطاهر، و يجب أن يوجد بينهما تباعد. من أجل ذلك اقترح البعض وجود تماثل بين المقدس النجس والدنيوي. وكتلخيص لما سبق فإن الأنواع الثلاثة من مقدس طاهر ومقدس نجس ومدنس يجب أن تبقى في منأى عن بعضها البعض حفاظاً على توازن العالم.

أمثلة على المقدس و المدنس:

  1. المدنس: هو كل شيء شائع مثل الإنسان والحيوان اللذين لا يحيط بهما طابع القداسة أو لم يجد الإنسان سبباً دينياً لتقديسهما، الأيام العادية، المنزل، الذهاب إلى العمل، تناول الإفطار و غير ذلك من الأمور المعاشة في الحياة اليومية.
  1. المقدس النجس: مثال عليه الدورة الشهرية عند المرأة، ففي ذلك الوقت من الشهر يجب عن المرأة أن تبتعد عن المقدس الطاهر وكذلك عن المدنس. أمثلة أخرى لحم الخنزير والخمر عند أصحاب بعض الأديان. أو الجثث التي تكون نجسة قبل الدفن وممكن أن تتحول إلى مقدسة طاهرة يناجى بها بعد أن يتم الدفن.
  1. المقدس الطاهر: مثل الأماكن والكتب المقدسة وأضرحة القديسين والقديسين أنفسهم، وأكبر من ذلك كله الآلهة أو الإله الموحد. كذلك الأعياد الدينية وملابس معينة وأماكن معينة على الأرض (الوادي المقدس طوى في القرآن).
  1. من المهم أن نقول أن مفهوم المقدس لا ينطوي فقط على المعتقدات الدينية، فبإمكاننا أن نجد المقدس حولنا من تقديس البلدان أو الأعلام، كذلك تقديس الرؤساء والملوك فالمساس بكل ما يسبق يقود بالبعض إلى الموت.

انتقاد لفكر دوركهايم:

انتقد البريطاني جاك جودي تعريف دوركهايم للدين بأن ثنائية المقدس والمدنس تعتبر مركزاً لكل الأديان قائلاً بأن لغات بعض الحضارات لا تحتوي على هذين المفهومين حتى، فإن الفكرة إذاً غربية تماماً كا هي غريبة على البعض. نرى ثنائية المقدس والمدنس واضحة في ديانات مثل المسيحية والإسلام فهي تفصل بين الدنيوي والديني بشكل ظاهر. ولكن ذلك لا ينطبق على الديانات التي تؤمن بوحدة الوجود، فالله أو الإلهي عندها موجود داخل كل الأشياء، وعند بعض الوثنيين فالكون كله يعتبر مقدس. كذلك يؤمن البوذيين بأن طبيعة بوذا موجودة عند بني البشر بدرجة معينة.

المراجع:

  1. الأشكال الأساسية للحياة الدينية – إميل دوركهايم.
  1. الإنسان والمقدس – روجيه كايوا
  1. The Dark Side of Humanity – Robert Parking
التوصيات: 1

Comment سجل دخولك للتعليق

لا توجد تعليقات