الشبكة التي يجب علينا إنقاذها

(الشبكة الغنيّة، المتنوّعة، المجّانية التي أحببتها، وأمضيت سنينًا في السجن الإيراني من أجلها، تموت الآن. لماذا لا يوجد من يوقف ذلك؟)
ترجمة: عمر فارس.
هذه الترجمة بموجب اتفاق مع الكاتب.
الكلام ما بين (..) لم أجد من كتابته بالانجليزية بدّ، لأكثر من سبب.
الكلام ما بين [..] هي إضافات توضيحيّة.
ــــــــــــــــــــــــــ
1-DLIqBteIIJchIhaiUfCFdQ

قبل سبعة أشهر، جلست إلى الطاولة الصغيرة في المطبخ، في شقتي -التي على طراز الستينيّات- الواقعة في الطابق الأخير لبنايةٍ في حي نابض بالحياة يتوسّط طهران. وفعلت شيئًا واظبت على فعله آلاف المرّات سابقًا. فتحت اللابتوب وكتبت في مدوّنتي الجديدة. هذه، مع ذلك، كانت المرة الأولى منذ ست سنوات. كاد أن يُحطَّمَ قلبي.
قبل بضعة أسابيع، كنت حُرِّرتُ وعُفيت، فجأةً، من سجن إيفِن (Evin) شمال طهران. كنت أتوقعُ أن أقضي جُلّ حياتي في تلك الزنازين. في نوفمبر 2008 تم الحكم علي بعشرين عامًا في السجن، غالبًا، لأشياء كتبتها على مدوّنتي.
لكنّ اللحظة، عندما جاءتْ، لم تكن متوقعة. دخّنتُ سيجارة في المطبخ مع أحد زملائي السجناء، ومن ثم عدتُ إلى الغرفة التي شاركتها مع عشرات الرجال الآخرين. كنا نشرب كأسًا من الشاي معًا عندما ذاع صوت مسؤول المهجع (Floor announcer) –وهو سجين أيضًا- في جميع الغرف والممرّات. بصوته الجهوريّ، أعلن بالفارسيّة: “أعزائي زملاء السجن، طائر الحظ حطَّ مرةً أخرى على كتف أحد الزملاء؛ سيدّ حسين ديراخشان، من هذه اللحظة، أنت حرّ.”

في تلك الليلة، كانت المرة الأولى التي أخرج فيها من تلك الأبواب كرجل حرّ. كل شيء بدا كأنه جديد: قشعريرة نسيم الخريف، ضجيج المركبات القادم من جسرٍ قريب، الرائحة، ألوان المدينة التي عشت فيها معظم أيام حياتي.
حولي، لاحظت طهران أخرى غير التي أعرفها؛ سيلٌ من الشقق (Condos) الجديدة، الفاخرة ببذخ، حلّتْ محل البيوت الصغيرة الساحرة التي كنت معتادًا عليها. طرقٌ جديدة، طرقٌ سريعة، جحافل من الـSUV العدوانيّة. لوحات كبيرة بإعلانات لساعات سويسرية الصنع وتلفزيونات كورية مسطّحة الشاشة. نساء بأوشحة ومعاطف ملوّنة، رجال برؤوس وذقون مصبوغة، ومئات المقاهي الساحرة التي تذيع موسيقى Hip غربية وتوظّف الإناث. كانت تغييرات من النوع الذي يتسلّل إلى الناس؛ النوع الذي تلاحظه، حقًّا، فقط عندما تُختطف منك الحياة الطبيعية.
بعد أسبوعين، بدأتُ بالكتابة مجدّدًا. وافق بعض الأصدقاء على أن أبدأ مدوّنةً كجزء من مجلّاتهم الفنيّة. أسميتها “Ketabkhan”، إنها تعني “قارئ للكتب” بالفارسيّة.
ست سنواتٍ كانت مدة طويلة للبقاء في السجن، لكنها عصرٌ كامل بالنسبة للأونلاين (Online، التواجد على الشبكة) . الكتابة على الإنترنت، بذاتها، لم تختلف. لكنّ القراءة، أو على الأقل، عملية أن تجعلَ الأشياء مقروءة، تغيّرتْ بدراماتيكيّة. قد تم إخباري عن مدى الجوهريّة التي وصلتْ إليها الشبكات الاجتماعية عندما كنت غائبًا. لذا، عرفت شيئًا واحدًا: إذا أردتُ أن أشُدّ الناس للاطلاع على كتابتي، علي أن أستخدم الـsocial media الآن.
إذًا، حاولتُ أن أنشر رابطًا (Link) في حسابي على فيسبوك. تبيّن لي أن فيسبوك لم يكترث كثيرًا. لقد بدا، في النهاية، كأنه إعلان مخصّص مملّ؛ لا يوجد فيه وصف، ولا صورة. لا شيء. تحصلّتُ على ثلاثة إعجابات (Likes). ثلاثة! هذا ما كان.
غدا الأمر واضحًا بالنسبة لي، هناك [في الشبكة]، الأمور تغيّرتْ. لم أكن مُعَدًّا للخوض في ذلك الحقل الجديد. كل محاولاتي وجهودي ذهبتْ سدى. دُمّرتُ.

كانت المدوّنات (Blogs) حديث الساعة، والمدوّنون مثل نجوم الروك، وقتها في 2008 عندما اعتُقلت. في تلك المرحلة، بعيدًا عن حقيقة أن الحكومة كانت تحظر الولوج إلى مدوّنتي من داخل إيران، كان لدي حول عشرين ألف زائر (Audience) يوميًّا. كلُّ شخص أشار لي في مدوّنته كان من الممكن أن يتعرّض لارتفاع مفاجئ وشديد في الإقبال: كنت قادرًا على تمكين أو إرباك أي شخص أريد.
كانت الناس تقرأ منشوراتي بتمعّن، وتترك الكثير من التعليقات المرتبطة بالموضوع. حتى من كانوا يختلفون معي بشدّة، كانوا يقرؤون. والعديد من المدوّنات الأخرى أشارتْ لمدوّنتي كي تناقش ما أقوله. شعرتُ كأنني ملك.
كان عُمْر الآيفون وقتها [عندما سُجِن] يزيد عن العام قليلاً، لكنّ الهواتف الذكية كانت ما تزال تستخدم غالبًا للقيام بالمكالمات وإرسال الرسائل القصيرة، تمرير الإيميلات، والولوج للشبكة. لم تكن هناك تطبيقات (Apps) حقيقية، تمامًا ليس كمفهومنا عنها اليوم. لم يكن هناك Instagram، ولا Snapchat، ولا Viber، ولا WhatsApp.
بدلاً من ذلك، كانت هناك الشبكة، وعلى الشبكة كانت هناك المدوّنات: أفضل مكان لإيجاد أفكار مختلفة، أخبار وتحليلات. كانت المدوّنات حياتي.

لقد بدأ كل شيء مع أحداث 9/11. كنت في تورونتو، وأبي عاد للتوّ من زيارة لطهران. كنا نتناول الإفطار عندما اصطدمتْ الطائرة الثانية ببرج التجارة العالمي. كنت مشوّشًا وحائرًا، وبهدف البحث عن رؤىً وتفسيرات، صادفت المدوّنات. لحظة ما قرأت قليلاً، فكّرت: وجدتها، عليّ أن أبدأ واحدة، وأشجع كل الإيرانيين ليبدؤوا التدوين أيضًا. إذًا، باستخدام Notepad على الويندوز، بدأت بالتجريب. وسريعًا ما انتهى بي الأمر للكتابة على hoder.com باستخدام منصّة (platform) نشر Blogger قبل أن تشتريه Google.
بعدها، في 5/11/2001، نشرت دليلاً يتكون من خطوات لكيفيّة بدء مدوّنة. هذا أثار شيئًا، عُرف فيما بعد بـ”ثورة تدوين“: سريعًا، مئات وآلاف الإيرانيين جعلوا من إيران واحدة من أفضل خمسة أمم في عدد المدوّنات، وكنت فخورًا لأخذي دورًا في عملية دّمْرقطة (democratization) الكتابة التي لا مثيل لها.
في تلك الأيام، كنت أحتفظ بقائمة لكل المدوّنات الفارسيّة، ولبعض الوقت، كنت أول من يتواصل معه أيُّ مدوّن إيرانيّ جديد، ومن ثم يُضَمّ إلى القائمة. لهذا أسمَوني “أبو المدوَّنة، The Blogfather” في منتصف عشرينيّاتي. كان لقبًا سخيفًا، لكنه، في النهاية، أشار إلى مدى اهتمامي للأمر.
كل صباح، من شقتي الصغيرة في وسط مدينة تورونتو، كنت أفتحُ حاسوبي وأرعى المدوّنات الجديدة؛ ساعدتهم في اكتساب الـexposure والمتابعين. كانت مجموعة غنيّة – من كتّاب منفيّين وصحافيين، كتّاب يوميّات إناث، وخبراء تكنولوجيا إلى صحافيين محليين، سياسيّين، رجال دين، وقدامى المحاربين – ودائمًا ما شجّعتُ المزيد. دعوتُ رجالاً ونساء متديّنين، وإسلاميين جمهوريّين مُوَالين، أُناسٌ عاشوا داخل إيران، للانضمام والبدء في الكتابة.
إن رقعة ما كان متاحًا وقتها أذهلنا. كان هذا، جزئيًّا، سبب ترويجي الشديد للمدوّنات. كنتُ غادرتُ إيران في نهاية العام 2000 لاختبار العيش في الغرب، وكنت خائفًا من أنني أفوّتُ الـtrends التي تطفو على السطح بسرعة في الوطن. لكنّ قراءة المدوّنات الإيرانية في تورونتو، كان أقرب فعلٍ ممكنٍ يشبه الجلوس في تاكسي مشتَرَك (Shared taxi) في طهران والاستماع لحواراتٍ جماعية بين السائق الحكّاء وركّاب عشوائيين.

1-waJ4KKsRlF-nNwJVmlUxPA

هنالك قصة في القرآن فكّرتُ بها كثيرًا أثناء أشهري الثمانية الأولى في الحبس الانفرادي. فيها، يجد مجموعة من المتديّنين المضطهدين ملجأ في كهف. هم، وكلبهم الذي معهم، دخلوا في نومٍ عميق. واستيقظوا وهم يشعرون بأنهم أخذوا قيلولة قصيرة: في الحقيقة، إنها 300 عام. إحدى روايات القصة تخبرنا كيف أن أحدهم يذهب لشراء طعام – وأستطيع تخيّل مدى جوعهم بعد 300 عام – ويكتشف أن ماله الآن لم يعد يُستَعمل؛ يصلح لأن يكون مادة في متحف. حينها أدرك مدى طول المدة التي قضوها غائبين.
قبل ستة أعوام، كان الهايبرلنك (Hyperlink، رابط تشعّبي) عُملتي. نابعًا من فكرة الـhypertext، وفّر لنا الهايبرلنك تنوّعًا ولا-مركزية يفقدها العالم الحقيقي. مثّل الهايبرلنك الروح المنفتحة، والمترابطة للشبكة العالميّة – الرؤيا التي بدأتْ مع مخترعها، تِم بيرنرز لي. كان الهايبرلنك طريقةً للتخلي عن المركزيّة – كل الروابط، الخطوط والهيراركيّات – واستبدالها بشيء أكثر انتشارًا، نظامًا من الـnodes والشبكات.
جسّدتْ المدوّنات روح اللا-مركزيّة تلك؛ كانت نوافذَ على حياة بشرٍ يندر أن تعرف عنهم شيئًا، جسورًا ربطتْ حيوات مختلفة بعضها ببعض، وبالتالي غيّرتْها. المدوّنات كانت مقاهٍ حيث يتبادل الناس فيها أفكارهم حول شتّى المواضيع التي تسترعي اهتمامهم. كانت الوثيقة الرسمية لسيارات التاكسي في طهران.
مذ خرجت من السجن، أدركت مدى انحدار قيمة الهايبرلنك. صار مهملاً إلى حد كبير.
تقريبًا، كل الشبكات الاجتماعية الآن تعامل الرابط مثل معاملة الجماد– مثل الصورة، أو النصّ – بدلاً من رؤيته كطريقةٍ لجعل النَصّ أكثر غنىً. أنتَ مُشجَّعٌ لنشر هايبرلنك واحد ومن ثم تعريضه لعملية شبه ديمقراطية من الإعجاب [إشارة إلى فيسبوك] وإضافة قلوب الحب [إشارة إلى تمبلر]. إضافة روابط متعددة لنصٍّ ليس مسموحًا عادة. لقد تم تجميد الهايبرلنكات، عزلها، وسُحبتْ قوتها.
في نفس الوقت، تميل شبكات التواصل هذه لمعاملة صورها ونصوصها المحليّة – أي، أشياء نُشرتْ فيها مباشرةً – باحترام أكبر مقارنةً بتلك التي تكمن في صفحات خارجيّة. بيّن لي أحد أصدقائي المصوّرين كيف أن الصور التي ينشرها على فيسبوك مباشرة تتلقى عددًا هائلاً من الإعجابات، وهذا بدوره يعني أنها تظهر لدى عدد كبير من الناس في الـNews feed. بالمقابل، حين ينشر رابطًا للصورة نفسها، الموجودة في صفحة خارج فيسبوك –مدوّنته المهجورة الآن كمثال – فإنها لا تظهر لعدد كبير في فيسبوك نفسه، وبالتالي تتلقّى إعجابات أقل. والدائرة تعزّز نفسها.
بعض الشبكات، مثل تويتر، تعامل الهايبرلنك أفضل قليلاً. أما باقي الخدمات التواصلية غير الواثقة، مرعوبة بشكل أكبر. انستغرام – المملوك من قِبل فيسبوك – لا يسمح لروّاده بالمغادرة مهما كان. يمكنك أن تضع رابطًا لصفحة في الشبكة تحت صورتك، لكنها لن توصلك إلى أي مكان. العديد من الناس يبدؤون روتينهم اليوميّ، في الأونلاين، على هذه المواقع غير النافذة إلى أي شيء، ورحلتهم تنتهي هناك. الكثير حتى لا يعون أنهم يستخدمون البنية الأساسية للإنترنت من أجل الإعجاب بصورة على انستغرام، أو لترك تعليقٍ على فيديو لأحد الأصدقاء. إنها مجرّد تطبيقات.
لكنّ الهايبرلنكات ليست بمثابة الهيكل للشبكة فقط، إنها عيناها، طريقٌ لروحها. وصفحة عمياء، هي تلك التي تخلو من الهايبرلنكات، ولا تستطيع أن تلقي نظرةً على صفحة أخرى. إن لهذا تبعاتٌ خطيرة على ديناميكيّة القوة في الشبكة.
بشكل متفاوت، فكّر معظم الباحثون بعلاقة النظر مع القوة، وغالبًا بمعنىً سيئ؛ الناظر يعرّي المنظور إليه، ويحوّله إلى جماد عديم الحيلة، يخلو من الذكاء والكفاءة. لكن في عالم صفحات الشبكة، يعمل النظر بشكل مختلف؛ إنه يمكّن. عندما يقوم موقع إلكتروني مهم – لنقل غوغل أو فيسبوك – بلفت النظر، أو الإشارة، إلى صفحة أخرى، إنه لا يصلنا بها فقط، إنه يمنحها الوجود، يمنحها الحياة. مجازًا، لولا لفتة النظر الممكِّنة تلك، لن تتنفّس صفحتك. لا يهم عدد الروابط التي تضعها في صفحة، دون أن يكون هنالك من يتابعها، إنها في الحقيقة ميتة وعمياء. وبالتالي غير قادرة على نقل القوة لأي صفحة خارجيّة.
في المقابل، أقوى صفحات الشبكة هي تلك التي تمتلك العديد من المتابعين. تمامًا مثل المشاهير الذين يحصّلون نوعًا من القوة بسبب ملايين العيون البشرية التي تنظر إليهم في أي وقت، صفحات الشبكة تستطيع تحصيل وتوزيع قوتها من خلال الهايبرلنكات.
لكنّ التطبيقات التي على شاكلة انستغرام عمياء، أو تقريبًا عمياء. أنظارها لا تتجه إلا إلى الداخل، مانعةً انتقال أي من قوّتها الهائلة إلى الآخرين، مما يؤدي إلى موتهم بشكل هادئ. التوابع هي أن صفحات الشبكة خارج مواقع التواصل تموت.

حتى قبل أن أذهب إلى السجن، أيضًا، كانت قوة الهايبرلنك قد تم كبحها. كان عدوها الأبرز فلسفةً جمعتْ ما بين أكثر القيم الشائعة والمبالغ في تقديرها في زماننا: الآنية (الأشياء التي تحصل الآن) والرواج، متأثرةً بهيمنة مشاهير العالم الحقيقي الصغار. تلك الفلسفة هي الستريم (Stream، نهر المعلومات).
الستريم الآن يسيطر على الطريقة التي يتلقى بها البشر المعلومات على الشبكة؛ عدد قليل من المستخدمين يستطلعون صفحات متخصصة، بدلاً من ذلك يتلقون سيلاً لا نهائيًّا من المعلومات التي تم اختيارها لهم عن طريق لوغاريتمات معقدة، وسريّة.
الستريم يعني أنك لستَ مضطرًّا لأن تفتح عدة مواقع الكترونية معًا بعد الآن. لست بحاجة إلى عدد من التبويبات (tabs). حتى أنك لا تحتاج لمتصفّح شبكة. تفتح تويتر أو فيسبوك من خلال هاتفك الذكي وتغوص في الداخل. الجبل قد أتى إليك. اللوغاريتمات قد اختارتْ كل شيء لك، نتيجةً لما قرأته أو رأيته أنت وأصدقاؤك سابقًا، إنها تتوقع ما قد ترغب بمشاهدته. إنه شعور عظيم ألا تكون مضطرًّا لإضاعة وقتك في إيجاد أشياء تسترعي اهتمامك في العديد من المواقع.
لكن هل نفقد شيئًا هنا؟ ما الذي نبادله مع جودة الأداء التي تحصلنا عليها؟
في العديد من التطبيقات، عملية التصويت التي نغدق بها على الآخرين – الإعجابات، قلوب الحب، النجوم – هي في الحقيقة متعلقة بالصور الجميلة ومنشورات المشاهير أكثر من محتوى ما يُنشَر. من الممكن أن تُترَك مقالة ممتازة من قِبل شخص عاديّ المظهر خارج الستريم، بينما سخافات المشاهير تتلقى حضورًا هامًّا في الإنترنت.
ولا تقوم اللوغاريتمات فقط، من خلال الستريم، بمساواة الآنية والرواج مع الأهمية، بل وتميل إلى أن تُرينا المزيد مما أعجبنا في السابق. تقوم هذه الخدمات بمسحٍ لسلوكنا، وتشذيبٍ للنيوزفييد بدقة، بمنشورات وصور وتسجيلات تظن أننا قد نميل لمشاهدتها.
إن الرواج ليس شيئًا سيئا بحد ذاته، لكن له مساوئه. في اقتصاد السوق الحرّ، البضائع ذات الجودة المنخفضة والسعر غير المناسب [المرتفع] مهددة بالفشل. لا أحد يشعر بالحزن عندما يُغلق أحد فروع مقهى بروكلين لشاي اللاتيه السيئ لديه أو عامليه الوقحين. لكنّ الآراء ليست مثل البضائع المادية والخدمات العامة. إنها لا تختفي إن كانت غير رائجة أو سيئة (bad). في الحقيقة، أظهر لنا التاريخ أن غالبية الأفكار الضخمة (والعديد منها سيئ) كانت غير رائجة لفترة طويلة، لكنّ حالتها الهامشية تلك عزّزتْها. إن وجهات نظر الأقليات تصبح راديكاليّة عندما لا يُمكن التعبير عنها وقراءتها.
الستريم اليوم هو الشكل الرئيس لطريقة وسائل الإعلام الرقمية في تنظيم المعلومات. إنه في كل شبكات التواصل وتطبيقات الهواتف. منذ أن تحصلتُ على حريتي، أينما ذهبتُ أرى الستريم. أظن أن المدة لن تطول حتى نرى المواقع الإخبارية ترتّب كل محتوياتها حسب نفس المبادئ. إن تأثير الستريم لا يكمن فقط بجعل أجزاء كبيرة من الإنترنت متحيزة ضد جودة المحتوى، بل إنها تعني خيانةً عميقة للتنوّع الذي تصوَّرته الشبكة العالمية لنفسها بالأساس.

596213_orig

لا يوجد لدي شك بأن تنوّع الثيمات والآراء اليوم، أقل مما كان في السابق على الأونلاين. أفكار جديدة، مختلفة، متحدّية قُمعتْ من شبكات تواصل اليوم بسبب استراتيجيات الترتيب لديهم، التي تفضّل الرائج والمعتاد. (لا غرابة في أن Apple توظف محرّرين بشر من أجل تطبيقاتها الإخبارية.) لكنّ التنوّع تم تقنينه بطرق أخرى، ولأسباب أخرى.
بعض تلك الأسباب بصريّة. صحيح أن كل منشوراتي على تويتر وفيسبوك تبدو كأنها مدوّنة شخصية؛ إنها مرتبة بتزامن عكسي [من الأحدث إلى الأقدم]، في صفحة محددة، مع رابط خاص ومباشر لكل منشور. لكنني أمتلك تحكمًا ضئيلاً في شكل صفحتي. إنني لا أستطيع جعلها شخصيّة أكثر. يجب عليها أن تتّبع شكلاً رسميًّا حدّده لي مصممو شبكات التواصل الاجتماعية.
إن مَرْكَزَة (centralization) المعلومات أيضًا تقلقني لأنها تجعل فقدان الأشياء من السهولة بمكان. بعد اعتقالي، أغلقتْ خدمة الاستضافة (Hosting service) حسابي، لأنني لم أكن قادرًا على دفع رسومه الشهرية. لكن، على الأقل، كانت لدي نسخة احتياطية (Backup) من كل منشوراتي في قاعدة بيانات على خادم الشبكة (web server) خاصتي. (معظم منصّات التدوين كانت تمكِّنُكَ من نقل منشوراتكَ وأرشيفك إلى مساحتك الشخصية في الشبكة، إلا أن معظمها اليوم لا يفعل.) حتى إن لم أقم بنقلها فإنه من المرجّح أن يكون أرشيف الإنترنت قد احتفظ بنسخة. لكن ماذا لو أُغلق حسابي على فيسبوك أو تويتر لسبب ما؟ قد لا تنتهي هذه الخدمات نفسها في أي وقت قريب، لكن ليس من المستحيل أن نتخيّل يومًا تُغلِق فيه الكثير من الخدمات الأمريكية حسابات مستخدميها الذين من إيران، بموجب قانون العقوبات الحالي. لو حصل ذلك، ربما أكون قادرًا على تحميل منشوراتي، ودعنا نفترض أن النسخة الاحتياطية سهلة الاسترداد من منصة أخرى. لكن ماذا عن الرابط الخاص بحسابي على شبكات التواصل؟ هل يمكنني استرداده لاحقًا بعد أن يكون شخص آخر قد امتلكه؟ عناوين الإنترنت تنتقل ملكيّتها من شخص إلى آخر أيضًا، لكنّ إدارة العملية أسهل وأكثر وضوحًا، خاصةً بوجود علاقة مالية بينك وبين البائع [الموقع] مما يجعلك أقل عرضة للقرارات المفاجئة وغير الشفّافة.
لكنّ النتيجة الأكثر رعبًا لمَرْكزة المعلومات في عصر الشبكات الاجتماعية هي شيء آخر: جَعْلُنَا أقل قوة بالنسبة للحكومات والشركات.
إن الرقابة تُفرض شيئًا فشيئًا على الحياة المدنية، والأمر يسوء مع مرور الزمن. إن الطريقة الوحيدة للبقاء خارج جهاز المراقبة الكبير هذا قد يكون في الذهاب إلى كهف والنوم فيه، حتى إن لم تستطع أن تنام 300 عام.
أن تكون مراقَبًا هو شيء يجب علينا أن نعتاد عليه ونتعايش معه مؤخرًا، ومن المحزن أن الأمر لا يتعلّق ببلد إقامتي. مما يدعو للسخرية، أن الحكومات التي تتعاون مع فيسبوك وتويتر تعرف عن مواطنيها أكثر من تلك الحكومات التي تمتلك قبضة ضيقة على الإنترنت، مثل إيران، لكنها لا تمتلك access قانونيًّا إلى شركات التواصل الاجتماعية.
إن ما يخيف أكثر من تعرضك للمراقبة، هو التحكّم بك. عندما يستطيع فيسبوك أن يعرفنا أكثر من آبائنا بناء على 150 إعجاب، وأكثر من أزواجنا بناء على 300 إعجاب، فإن العالم يبدو قابلاً للتوقّع، من قِبل الحكومات والشركات. والقدرةعلى التوقّع تعني التحكّم.

إيرانيّو الطبقة الوسطى، مثل معظم الناس في العالم، مهووسون بالصيحات (الميول، trends) الجديدة. الجودة وتحصيل الفائدة من الأشياء، دائمًا ما تأتي ثانيًا في سُلّم ميولهم. في بداية الـ2000 كانت كتابة التدوينات ما تجعلك رائعًا ومواكبًا، بعدها في حوالي الـ2008 أصبح الفيسبوك وبعدها تويتر، ومنذ 2014 غدتْ الضجة كلها من نصيب الانستغرام، ولا أحد يعلم من التالي. لكن كلما فكّرتُ بهذه التغيّرات، كلما أدركت أن كل مخاوفي ربما وُجِّهتْ في الطريق الخاطئ. ربما أنا قلقٌ حول الأمر الخطأ. ربما ليس السبب تمامًا هو احتضار الهايبرلنك، أو المَرْكَزَة.
ربما، النص نفسه يختفي. أول روّاد الشبكة كانوا يقضون وقتهم بتصفّح المجلات على الأونلاين، بعدها جاءتْ المدوّنات، ثم فيسبوك، وتويتر في النهاية. أما الآن، معظم الناس يقضون وقتهم في مشاهدة فيديوهات فيسبوك وانستغرام وسنابتشات. هنالك تناقصٌ في النصوص التي للقراءة على الشبكات الاجتماعية، وتزايد في الفيديوهات والصور التي للمشاهدة. هل نشهد هبوطًا في القراءة على الشبكة لحساب الرؤية والسمع؟
هل هذه التقليعة مدفوعةٌ بتغيّر العادات الثقافية عند الناس، أم أنهم يتّبعون القوانين الجديدة لاستخدام الشبكات الاجتماعية؟ لا أعلم – إنها مهمة الباحثين – لكنها تمنحني الشعور بأنها تُحيي الحروب الثقافية القديمة. بالرغم من كل شيء، فقد بدأتْ الشبكة بمحاكاة الكتب لسنوات، كانت النصوص تطغاها. وضعتْ محرّكات البحث قيمة كبيرة لتلك الأشياء [أي أنها أولوية في عملية البحث]، شركاتٌ كاملة، واحتكارات، قامتْ على ظهرها. لكن طالما تظلّ أعداد ماسحات الصور، الصور الرقمية، والكاميرات تتضاعف، فإن حالة المحرّكات والشركات تلك سوف تتغيّر؛ فقد بدأتْ أدوات البحث بإضافة لوغاريتمات متقدمة تتعرّف على الصور. كل أموال الإعلانات تنهال هناك.
لكنّ الستريم، تطبيقات الهاتف، والصور المتحركة؛ كلّها تُظهر هجرةً من الإنترنت/الكتاب إلى الإنترنت/التلفاز. يبدو أننا انتقلنا من طريقةٍ غير-خطيّة في التواصل (nodes وشبكات وروابط) إلى أخرى خطيّة (مَرْكزَة وهيراركيّات).
لم تكن الشبكة مُتَصوّرةً على أنها شكل من أشكال التلفاز عندما اُخترعتْ. لكن، شئنا أم أبينا، إنها تتماهى مع التلفاز باطّراد؛ خطيّة، بليدة، مُصمَّمة، ورؤيتها إلى الداخل.
عندما أدخل فيسبوك فإنني أشغّل تلفازي الخاص. كل ما عليّ فعله هو أن أنزل إلى إلى الأسفل: صور Profile جديدة للأصدقاء، آراء مقتضبة حول أحداثٍ جارية، روابط لمواضيع جديدة برفقة اقتباسات قصيرة، إعلانات، وطبعًا فيديوهات للتسلية. قليلاً ما أضغط زرّ Like أو Share، أقرأ أو أضع تعليقات للناس، أو حتى أفتح مقالة. لكنني أبقى داخل فيسبوك، ويستمرّ هو في بثّ ما يمكن أن يعجبني [وفق معادلاته]. إنها ليست الشبكة التي عرفتها قبل دخولي السجن، ولا هذا مستقبلها. إن هذا المستقبل هو تلفاز.

أحيانًا أظنّ أنني أصير صارمًا أكثر مع تقدمي في العمر. ربما كل ما ذكرته لا يتعدّى مجرّد تطوّرٍ طبيعي للتكنولوجيا. لكنني لا أستطيع أن أتغاضى عما يحصل: تضاؤل في القدرة الثقافية والتنوّع، في ظلّ الإمكانات الهائلة التي من الممكن أن تحتويها الشبكة في زماننا المضطرب. في السابق، كانت الشبكة قوية وجادّة لدرجة أن تسوقني إلى السجن. أما اليوم فهي للتسلية. حتى أن إيران لا تعتبر أجزاء كثيرة منها – مثل انستغرام – تستحقّ الحجب.
أشتاق إلى الأوقات التي كان الناس فيها يقتطعون من وقتهم لكي يُعرَضوا على آراء مختلفة، ويتكبدوا عناء قراءة أكثر من فقرة بسيطة أو 140 حرف. أشتاق إلى الأيام التي كنت أستطيع فيها الكتابة في مدوّنتي الخاصة، أنشر على عنواني الخاص، دون أن أستغرق نفس الوقت في الترويج لها على عدد هائل من الشبكات الاجتماعية، عندما لم يكن هناك من يهتمّ بالإعجابات ووإعادة النشر.
هذه هي الشبكة التي أتذكرها قبل السجن. هذه هي الشبكة التي يجب علينا إنقاذها.
ــــــــــــــــــ

النص الأصلي.

*الرسومات للفنانّين تِم ماقدونَه وأمجد رسمي تعبيرية ولا ننتوي استخدامها لخرق حقوق الملكية الفكرية.

التوصيات: 1

Comment سجل دخولك للتعليق

لا توجد تعليقات