اجتماعية الذئاب : اسقاط على المجتمع الانساني

جلس الطفلان ريموس و روميولوس على ضفة ذاك النهر الهائج، لا يحول بينهما و بين الموت سوى روح من البرية و ملكوتها، جلسا في ظل من الفاقة و الموت اناره لهما ماء الحياة الذي انساب اليهما، انساب من صدر ذئبة ابتعثتها الالهة لخدمة أب روما و أخيه، ليرى العالم في سيرهما صعود الامبراطورية الاولى التي هيمنت على قارات وشعوب لم تغب عنها شمس .


لعل هذه ليست سوى قصة في عشرات و مئات من القصص، قصص اختارت فيها سريرة مطرزيها الذئب بطلا لحبكتها، فكان الذئب اما و ابا و الها و ساعيا و ابنا و رسولا و شيطانا و ملاكا، كل دين و طائفة و حضارة جعلت له مكانا في ثنايا سردها. بداية بذئب يوسف الذي البس رداء الخطيئة الى الذئبة ام روما، يتبعهم الهة اهل اسكندنافيا و عبدة البرق، في كل موروث، ابراهيمي او وثني جاء الذئب و سطرت له بضع من الاسطر في اسيا و اوروبا، من عمق الصحاري الى اعالي القطب.

و عليه فلا شك ان الذئب قد امتلك بعضا من ذهن البشر و ارواحهم، عدوا كان او صديقا بل و في ايام تلت رفيقا و ندا، لربما كان الذي جذب ابناء ادم الى صاحبهم هذا هو عمق من التفاهم و الارتباط، لربما رأى ابناء ادم بعضا من وجودهم و حياتهم في وجود اخيهم الذئب و مجتمعه، لتتخطى النظرة اليه من الحيوانية الى الندية بل و الى الألوهية في أحيان أخرى.

الذئب، حيوان كاسر من لواحم الثدييات و فصيلة الكلبييات، اجتماعي، واسع الانتشار، حيث يتواجد في اغلب النصف الشمالي من الارض، في اغلب اوروبا و اسيا و اميريكا الشمالية و شمال افريقيا .

يعيش الذئب حياة جمعية في هيئة قطعان او "حزم" متراوحة الحجم، قد يقتصر على ذكر و انثى و جرائهما، او قد يكبر ليشمل قطعانا كبرى يتجاوز عددها العشرين ذئبا وصولا الى الثلاثين في المناطق التي تسمح بذلك، و يحددها وفرة الطرائد و اتساع منطقة الصيد و الطقس كما هو الحال الكائن في سيبيريا و كندا و آلاسكا.

و يعرف عن الذئب تعيينه لمساحة من الارض كمملكة او حيز خاص لنشاطاته، فهو يدافع عن هذا الحيز و بكل ضراوة في وجه من يعتدى على حصانته من كواسر اخرى، و هذه المساحات قد تمتد من 100ميل مربع الى 1000ميل مربع تبعا لحجم القطيع و حاجته و قدرته في الدفاع عنها.

و كما هو الحال في عالم البشر فلا بد ان يكون لكل نظام معقد، نسق تسير على نطاقه الامور، فقد فرضت الطبيعة على الذئب اذا ما اراد ان يحفظ حياته و فريسته ووجوده أن يقوم بتطوير نظام اجتماعي محكم ليحفظ النظام في مجتمعه و عالمه، ولكي يبقى هذا النظام فانت ترى كل قطيع قد انقسم الى ثلام طبقات، الفا، بيتا و أوميغا.

و كما جرى العرف، افلا نبدأ كما ينبغي لنا، من الاعلى، من الالفا او الذئب الاول، و هذه هي اقل الطبقات عددا، فهي تقتصر فرضا على ذكر و انثى، و يمتاز هؤلاء عن غيرهما في الغالب بواحد من امرين، اما انهما بدءا القطيع اساسا، او انهما قد وصلا الى قمة الهرم كما يتبادر الى الذهن، بالعنف.

لا يحتاج الذئب الاول ان يقوم بتحديد الاوامر و لا لفرض سلطة مباشرة على غيره، سلطته هي سلطة الخوف على بقية القطيع، اذ ان الذئاب الاخرى "البيتا و الاوميغا" تكتفي باتباعه في كل امر، سواءا بالتقليد او بالتنازل المستمر عن كبريائها، حيث ان الافا بختار لنفسه مناطق خاصة للنوم و الحياة و يتمتع بسلطة كاملة على نفسه في ما يتعلق بالحركة و الصيد، بينما يلتزم بقية القطيع التبعية خوفا من نزق الالفا و حدة طباعه، و طبعا فان اي تحد لسلطة الألفا يعد تجاوزا لا يمكن السكوت عنه، فقد ينتهي اما بالنفي او الموت او على الاقل بالاذى الجسدي الشديد من الألفا نفسه بداية و من ثم يلحقهم في ذلك بقية القطيع مما يجعل حياة البيتا او الاوميغا المتحدي صعبة للغاية، لينتهي المطاف بكل متحد عادة بان يترك القطيع بحثا عن حياة اخرى.

اما بالنسبة للبيتا، الذئب التابع، فهو السواد الأعظم دوره في الغالب يكون مقصورا برغبة سادته لا يقوم باتخاذ اي خطوة من غير اقرار الذئب الاول، هو يقوم بغالب الصيد، و تقصي اثر الطرائد يدافع عن حيز القطيع في وجه الكواسر الأخرى، و بالطبع فهو يحرص على كسر شوكة اي متحد للألفا، لكن و كما اتضح فان اعينه دوما ما تكون على مكان الذئب الاول و سلطته، فهو دوما في حال ارتقاب لا ينقطع عن اي اشارة للضعف او القصور من الذئب الاول حتى يتخذ لنفسه مكانا سواءا اكان ذلك بتحدي سلطة الذئب الأول، او بزيادة سلطته على اقرانه ومن هم دونه، لكي يتخذ مكان الذئب الاول في حال ضعفه او موته او سقوطه، فترى الذئب الثاني بحالة مستمرة من الخوق فهو يخاف تارة من ان يزداد سلطة فيلحظه الذئب الاول و يكسر شوكته او ان يقصر في سلطته فيدفع به اقرانه الى خانة الذئب الثالث او الاوميغا، و عليه فان حياته هي حياة صراع مستمر ما بين الخوف و الامل .

و في اسفل الهرم تجد الملاعين، تجد الضعفاء، تجد المصابين من عنف الالفا و اتباعه، تجد الصغار، تجد المرضى و تجد المتحديين الذين فشلت مساعيهم في الصعود من البيتا الى الالفا او حتى في ان يحفظو مكانهم بين حاشية الملك.
هنا آن لنا ان نتكلم عن الاوميغا، في غالب الامر هم اقل الذئاب انتفاعا من الهرم السلطوي، فهم يكاد لا يكون لهم نصيب من الصيد سوا ما عافه الأعلون، مهامهم تتراوح بين العناية بالصغار او بالقيام باخطر المهام، كمهاجمة ذاك الحيوان الكبير لكي يفتح ذاك المجال للذئاب الاخرين لقتله من غير ان يؤذوا انفسهم، يكاد صعود الذئب الثالث في السلم يكون مستحيلا، فهو الى جانب ضعفه قد كتب عليه مقاساة الجوع و المرض، فلا امل له بالعودة الى مكانه، فإما موت او ذل او رحيل.

لقد انتهى حديثنا عن الهرم عزيزي القارئ و ان لنا ان نتحدث عن الثائر، عن الذئب الاوحد او الذئب المفارق، هو ذاك الاوميغا الذي قد ضاق ذرعا بما حمل او انه اختار ان يبني عالما جديدا، هو في الغالب صغير في السن و شديد العنف، يغادر القطيع و يعيش في عزلة موحشة يأتي معها مساحات واسعة يرسمها حول نفسه، لا يلاقي مخلوقا الا و يكون بينه و بينهم كر و فر، هذا له ثلاث قصص فقط، موت موحش يقاسيه بعد حياة من العزلة، او تبعية جديدة لقطيع اخر يثبت نفسه فيه، او "ملك جديد"، فهذا اذا ما التقى بذئب اخر من جنس اخر قد يأتي اليهما معا خيار بناء قطيع جديد يأمرون فيه و ينهون ليأتي اليهم ملك في عالم اخر غير ذاك الذي رفضهم .

ترى فيهم طبقة الحكم، ترى فيهم الحاشية، ترى قيهم الطبقة الكادحة، ترى فيهم الشتات، ترى فيهم الحرب، ترى فيهم الكبرياء و النزاع على السلطة، و حتى على صعيد شخصي يكاد يكون من المستحيل لاي متفكر ان لا يجد فيهم ما يسقطه على نفسه من صفات الذئاب في طبقاتها الثلاث، هل كان هذا الاسقاط سببا في رومنسة الذئب و شخصنته، بل و جعله كائنا عاقلا كما اتضح لنا في موروثنا الانساني؟ أم هو ذاك العويل البارد الذي تسلل من آذان أجدادنا الاولين الى صدورهم فكتبو عنه قصصا قد انبثقت الى العالم لزاما من مزيج بين خوف و أنس.

د. عبدالله خالد الحمارشة

http://biology.kenyon.edu/

http://www.wolfcountry.net/

http://www.wolf.org/


التوصيات: 1

Comment سجل دخولك للتعليق

لا توجد تعليقات